ركن العامرية .. أم وإن لم تنجب

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

حدث ذلك قبل سنوات كنتُ أرقب ورفيقي بدهشة بالغة ابنتنا البالغة من العمر ستة أشهر، وهي تهدهد لعبتها بانغماس كامل كأم تحاول بكل الحب طمأنة وليدها. تلفتُ لرفيقي قائلة "ها هي فطرة الأمومة التي لطالما حدثتكَ عنها. هل سبق إن قام أحد من ولديّنا( الذكور) بذلك!؟" كان موقفاً عابراً لكنه عميق و مؤثر للغاية.

قبل أن تكون الأمومة واقعاً في حياة المرأة، هي فطرة فُطرت عليها، فهي أم وإن لم تنجب. يقول الأديب يوسف زيدان "الأمومة طبيعة والأبوة ثقافة. الأمومة أصل في الأنثى والأبوة فرع مكتسب". أي أنها تولد وغريزة الأمومة في أعماقها مغروسة، بينما يكتسب الرجل مشاعر الأبوة بالممارسة، ولعل هذا يعطي تفسيراً للتباين في تصرفات كل منهما تجاه أولادهما، وخصوصاً عند وفاة أحدهما والذي يجسده بكثير من الواقعية المثل الليبي (مانك بوي إلا بأمي).

وتتأثر معاني الأمومة وطرق التعبير عنها بالموروث الفكري والتقاليد الاجتماعية، وتصطبغ بصبغة خاصة تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية. فالأمومة وإن تساوت جوهرياً في معانيها إلا أنها قد تختلف أشكالها باختلاف الزمان والمكان وثقافة المجتمع، ولنا في قصة النبي موسى وأمه خير مثال.

يدندن الجميع صادقاً أو مقلداً بحمل أمه له ووضعه وهناً على وهن. الوهن والتعب والعجز أيضاً، فلحظة خروج الجنين من جوف أمه، بعد معاناة أربعين أسبوعا، هي لحظة تغمرها الرهبة بشكل لا يمكن توصيفها مهما تفانت الأقلام وتفنّنت.

الإنسان إذاً مدين لأمه بروحه كما يُروَّج فهل يوفيها حقها وإن حملها على عنقه ودار بها البيت العتيق سبعا وسبعة أخرى!؟

هي لحظة مليئة بكل التناقضات، فمن ناحية هي الأحلك والأهلك ألماً وجزعاً، في ذات الوقت ممزوجة وممتزجة بأعلى درجات السكينة والسعادة. فالبهجة ببزوغ حياة جديدة تجعلها لحظة فريدة للغاية وكأني بالأم وقد هجرت الأرض وارتفعت صوب السحاب.

فشعور الوحدة بهذا الوهن يلفها رغم تواجد المحيطين وقد يكون الرفيق من ضمنهم، وذلك في المجتمعات الواعية التي تسمح بل تشجع على ذلك ولا أدري لم لازال مجتمعنا غارقا في الأساطير عندما يتعلق الأمر بحضور الحدث!، وبعد أن تنقطع في الأحشاء عروقها عن عروق وليدها وتُقتلع جذوره من أعماقها تظل جذورها لا تنسل عنه ومنه إلى يوم الدين.

أما لحظة وصول المولود لحضن أمه فلا تعادلها كل لحظات الدنيا. ولاتزال حواء تهب الحياة لوليدها لعامين قادمين بلبنها المتدفق من نياط قلبها، وذاك أمر جلل آخر لن استرسل فيه الآن.

وكذا لن أتطرق لدور الرجل الأب في كل الحكاية. وبعد كل هذا لازلنا نتنصت لمن يقول أن المرأة مُستلّة من الرجل ومن ضلع أعوج على وجه الخصوص، وأنها فتنة وأنها عورة وأنها بلا عقل، بل ندَّعي أن هذا من الدين!.

إنها الأمومة، الوهن على الوهن. هي الحقيقة مجردة. فالإنسان إذاً مدين لأمه بروحه، كما يُروَّج، فهل يوفيها حقها وإن حملها على عنقه ودار بها البيت العتيق سبعا وسبعة أخرى!؟ كيف يكون ذلك وقد خُلق في رحمها وفيه نُفخت روحه ولفه برحمة الرحمن الرحيم.

ما أشد هذه الغريزة وما أقواها. ولذا لا نغفل عن أن ما تقوم به الأم هو استجابة طبيعية لغريزتها وإشباعاً لها في المقام الأول، وبذلك هي لا تنتظر حمداً ولا شكوراً إذ لا وجود أصلاً لكلمات أو أفعال تقترب لعمق ما يعتريها من مشاعر فطرية دافقة تجاه ولدها. أما حب الولد لها فمكتسب هو الآخر على غرار مشاعر الأبوة تلك.

لكن المشين هو استغلال ذلك السمو العظيم لعاطفة الأمومة مطية لفرض خطاب سلطوي متعالٍ، حيث ومن خلال ما قد يُمارس على الأولاد من ابتزاز عاطفي صادر عن بعض الأمهات بإدراك منهن أو بدونه، تتم زرع عقيدة الرضوخ والاستسلام في نفوسهم.

بيد أن هذا الفعل لا ينتج إلا ذلك الكائن الاتكالي الضعيف سهل الانقياد الذي نراه اليوم، وقد يكون هذا هو المقصد من وراء الحرص الشديد على اختزال دور المرأة بطريقة سمجة أحياناً في الأمومة، وبالشكل البدائي الذي نراه في مجتمعنا.

وكل عام ونساء الأرض أمهات جميلات وإن لم ينجبن.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Dandachi

    25.03.2016 الساعة 10:47

    أشكرك سيّدة فدوى على هذا المقال المؤثّر جدّاً. أنا أيضا أؤمن أن المرأة أمّ وإن لم تنجب. كذلك يثيرني جدّا الابتزاز العاطفي والمعنوي والمادّي الذي تمارسه الأمّهات العربيّات بتشجيعٍ من المجتمع وثقافته الذكورية البحتة ليأسر المرأة حصريّا داخل هذا الدّور الذي هو ورغم قدسيّة الحياة لا يعني أن نصبح أداة ورهائن في أيدي أمّهاتنا. أعيش في الغرب منذ أكثر من 30 عاما و سببُ حبّي العميق والدّفين اللّا محدود لوالدّيّ نابعٌ من أجمل وأكبر درس في الحياة علّماني إيّاه: الحب حرّية وإلا فلا هو بحبّ. الحبّ مجاني وإلاّ فلا هو بحبّ. خياري كان وما زال كاملا في حياتي ولم يحاولا يوما التأثير عليّ عاطفيّا. أقدّس والديّ لتفرّدهما في هذه التربية التي لم أجدها في أي منزل عربيٍّ آخر خاصة عندما يتعلّق الأمر بالفتاة. للأسف الأمّ والأبُ العربيّان "يختلسان" عقول أبناءهما ويرتهنان قلوبهم وهذا في تحليلي أحد أسباب التخلّف الذي تغرق فيه المجتمعات العربيّة حيث تموت روح المبادرة والعزيمة والخلْق والإبداع. كلّها أسُس لا بدّ منها لقيام مجتمع سليم مساهمٍ في تقدّم البشريّة وفاعل في بناء الحضارة الإنسانيّة. عبير دندشي