تنظيم داعش سينقذ ليبيا من السقوط

عمر الكدي |
عمر الكدي

كان من الممكن أن يكون مصير ليبيا مثل مصير الصومال. يتركها العالم سنوات طويلة في حرب أهلية لها بداية وليس لها نهاية، فالصومال أيضا تشكلت من اتحاد ثلاثة أقاليم هي الصومال الفرنسي، والصومال البريطاني، والصومال الإيطالي، وآخر محاولة لتدخل المجتمع الدولي في الصومال كان في عام 1993، بقوات للأمم المتحدة وقوات أمريكية، وبعد عام اضطرت القوتان للانسحاب من مقديشيو، وتُرك أمر الصومال لبعثة الأمم المتحدة في كينيا، قبل أن يرسل الاتحاد الأفريقي قوة تساعد في دعم الحكومة الضعيفة في العاصمة، ولم يلتفت المجتمع الدولي إلى الصومال إلا عندما استفحلت ظاهرة القرصنة، وما إن سيطرت البوارج الحربية على قوارب الصيادين الفقراء حتى انتهت ظاهرة القرصنة، وأدار العالم وجهه عن القرن الأفريقي.

خلافا للصومال تتميز ليبيا بموقع على شواطيء المتوسط لا يمكن الاستهانة به، فمن هذا الساحل يأتي النفط والغاز، ولكن قد يأتي منه المهاجرون غير الشرعيين والإرهاب. يمكن لدول الاتحاد الأوروبي أن تجد حلا لمشكلة المهاجرين غير الشرعيين، فتسيير دوريات عسكرية قبالة الشواطيء الليبية يكلف أقل من استقبال مئات آلاف المهاجرين في أوروبا، كما أن إرسال طائرات بدون طيار تستهدف قوارب المهربين على الشواطيء الليبية لا يكلف الكثير، ولكن أن تتحول ليبيا إلى ملجأ للإرهابيين ومنصة للانطلاق نحو أوروبا ودول الجوار، يجعل من المجتمع الدولي لا يتردد في التدخل في ليبيا عسكريا.

الهجوم الإرهابي على مدينة بن قردان يوم الاثنين الماضي، وقبل ذلك الهجوم على متحف باردو في العاصمة التونسية، وعلى فندق في سوسة وجميع الإرهابيين التونسيين الذين شاركوا في الهجومين تدربوا في ليبيا، يجعل من سيناريو التدخل الدولي العسكري في ليبيا أمرا لا مفر منه، والغارة الأمريكية على صبراتة ليست إلا البداية، التي كان رد فعلها الهجوم على بن قردان، فالذين خططوا للهجوم على بن قردان لم يضعوا في حسابهم إحداث أكبر ضرر ممكن في البنية العسكرية والأمنية في المدينة، بحيث يكون هجوما مفاجئا ثم يعقبه انسحاب سريع نحو الأراضي الليبية، وإنما كان الهدف من الهجوم هو السيطرة على المدينة، وإعلانها إمارة تتبع تنظيم داعش.

تجاهل الدولة التونسية للجنوب الذي ولد وترعرع فيه محمد البوعزيزي، ساهم بشكل واضح في توجه الشباب التونسي إلى التنظيمات المتطرفة، ومنذ عودة العلاقات بين ليبيا وتونس عام 1989 بعد انقلاب بن علي، وسكان منطقة بن قردان يعتمدون في حياتهم اليومية على ليبيا.

يستيقظ من يعيش في بن قردان ليتوجه إلى زلطن وزوارة ورقدالين والجميل، وهو يحمل معه السباغيتي التونسية المرغوبة في ليبيا وتمور الدقلة، وفي ليبيا يملأ خزان سيارته والخزان الإضافي بأرخص بنزين أو ديزل على وجه الأرض، كما يشتري سلعا غذائية مدعومة ليبيعها في تونس بأضعاف سعرها، وعندما تغلق الحدود لأي سبب كان يقطع سكان بن قردان الطريق ويشعلون النار في الإطارات ويعلنون العصيان. في مثل هذه البيئة يترعرع مقاتلو داعش ويقصدون ليبيا للتدرب على القتال، ليعودوا إلى بلادهم ونفوسهم تمتليء بالحقد على التفاوت الطبقي، وعلى احتقار أبناء الشمال والساحل لأهل الجنوب.

زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي دعا الجيش التونسي إلى التدخل في ليبيا، والوصول إلى صبراته بدلا من الأمريكيين، وليست هذه المرة الأولى التي يتدخل فيها الجيش التونسي في ليبيا، فآخر مرة كانت عام 1795 عندما ساعد الجيش التونسي علي القرمانللي على استعادة عرشه وطرد علي برغل من طرابلس، إلا أن الجيش التونسي لا يستطيع الوصول إلى صبراته في مثل هذه الظروف، ولكن حرص الغرب على نجاح التجربة الديمقراطية في تونس سيجعله يهب لنجدة تونس، وعندها يكون تنظيم داعش قد ساهم بشكل واضح في إنقاذ ليبيا من السقوط، أكثر من كل العوامل الأخرى، وحتى الآن أثبت العالم أنه يستطيع الاستغناء عن النفط والغاز الليبي، ويستطيع الاستغناء عن عقود الإنشاءات الليبية، ويستطيع الاستغناء عن مشروع السكك الحديدية، ويستطيع الاستغناء عن الأسواق الليبية، ولكنه لا يستطيع النوم وتنظيم داعش قد يداهم الشواطيء الأوروبية في أي وقت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات