ركن العامرية.. رجالات أم رجاجيل!

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

من أناقة اللغة العربية، بحسب الأديب يوسف زيدان، إلحاق تاء التأنيث لغرض تفخيم الرجل، فيُقال مثلاً العلاَّمة على صاحب العلم الغزير والفهّامة على ذي الفهم العميق. واللطيف أن لفظة رجالات المؤنثة، من الفخامة بمكان أنها لا تُطلق إلا على المجموعة من الرجال من ذوي المكانة الرفيعة جداً. واللافت أنه في لهجتنا قد نقول( رجاجيل) ونادراً ما نقول رجالات!

قد يكون بعض الرجال في بلادنا رجالات، فمثلاً لو نظرنا للأداء السياسي، خصوصاً هذه الأيام، لوجدنا العظمة المخجلة بيّنة في حوارات البرلمانات والمؤتمرات والحكومات المنتشرة في طول البلاد وعرضها. لا عقل يحكم ولا منطق يلجم، غيّبهم الغباء حتى صاروا الأغبياء فهم لا يميّزون بين المقبول والمرذول والتوافق والتفارق، وكأن همهم تضييع ما تبقى من الوطن. لكن أليس من السذاجة توقع غير الذي كان؟ فغالبية من يمارس السياسة اليوم لا يعترف بوجود علم السياسة. بالإضافة، هناك عدد كبير من ساستنا ممن انطفأت عنده جذوة التعلم لقربه من حياض الستين أو السبعين إن لم يتعدَّها، فالعلم والتعلم يحتاجان من يقظة الذهن وتأهب الروح الشيء الكثير الذي قد لا يقدر عليه الإنسان ببلوغه أرذل العمر.

في الجانب الاقتصادي، أتذكّر كيف طار عقلي أو كاد بمتابعتي الرعونة المرعية المتمثّلة بنثر الأموال على أصحاب السوابق والمتطرفين بلا رؤية أو روية، كما كان لتوقيت وسرعة إقرار فارمان المصارف الإسلامية من قبل ( عظام) المؤتمر الوطني الهزيل الأثر الأكبر لتكسير عظام العباد قبل البلاد، ولا نريد الخوض في المقصد من وراء هذا العمل الوطني العظيم، فذاك يدخل في باب العلم بالنيّات الذي ليس من اختصاص القوارير.

وفي المجال الإداري فنشير إلى النظام الفذّ فيما تبقى من مؤسسات متهالكة كتلك المسئولة عن استخراج جوازات السفر. يذكرني ذلك بمستخرج ( الرصيدة) من قبر منسي وما يصاحبه من طقوس عجائبية!، أما الخارقة فهي آلية السفر الفاضحة لقوة الرابطة الزوجية عند الرجل الليبي، فحينها نتيقن كم هم رجالات.

كما أننا نعاني من فيض الدبلوماسية حد التخمة، فبدل السفارة الواحدة، و لنباهتنا، بات لدينا سفارتان في كل عمارة، أما الأداء فهو العجز التام لإنهاء أي إجراء مهما كان مجهرياً رغم تكدس العاملين.

وحتى لا نبخس ( الرجالات) أشياءهم فقد يكون بعضمنهم ( عظاما) جداً في التخصصات الدينية، بالأخص عندما يكون الكذب الصريح ديدن من يعتلي منهم منصات الشاشات، أو ربما دخل ذلك في باب علم المعاريض!

وبعد أن صادنا وصادكم سأم غليظ وكي لا يصيبنا ويصيبكم تسمم ما، سنتجاوز الحديث عن المحرّمات لنتحدث عن الرجالات العظام حقاً.

هم قليلو العدد للغاية، هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور. وفي بلاد قطوفها دانية مرة وقاصية مرات وقاسية، ووسط افتقاد دجاها لسرج منيرة، يشعّ هؤلاء كالشموع العملاقة على من حولهم. هم يجاهدون النفس ويجهدونها، قابضون عليها كالقابض على الجمر. هم المدافعون عن الوطن ببذل الأرواح في كل يوم و ليلة، يحاربون بسواعدهم ويقتلعون أنواع الألغام بأعينهم وما لهم من رغد الحياة إلا النزر.

وهم الحداثيون والليبيون في آن وإنها لعالية إلا على أصحاب الرقبات السامقة، فهم الطامحون إلى اللقاء الفكري مع المرأة، وهم العاشقون لإنسانيتها. هم مشجعوها لكسر السقف التقليدي الحزين للانطلاق من عتمة عباءة الوصاية المجحفة إلى نور وصاية الأخلاق، وقوة الضمير وفسحة الأمل والإرادة الحرة، ولأنهم يَرَوْن المرأة كذات إنسانية أنثوية لا معالم أنثوية فقط، ولا مرآة لذواتهم فلا يتحرج الرجالات العظام من احترام النساء، بالمعنى الحقيقي للكلمة. يقومون بذلك في السر والعلن وبما يتطلب من ( تضحيات) جسام وسط مجتمع ذكوري (هدراز) جداً بالفطرة، وهم الطيبون الذين للطيبات دائماً ولأنهم القوامون فالقوامات أيضاً لهم أبداً.

قد يظهر هذا الحديث أنه للرجاجيل وعنهم دون النساء إلا أنه في الحقيقة هو موجه للإنسان وللإنسان فقط.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : بدرادين عبدالهادي

    10.03.2016 الساعة 09:34

    بداية موفقة وجيدة ولكن حاد عن المقال الموضوعية بعد ذلك لكي تلقي ما في بالها من غضب أنثوي علي عالم الرجال أو كما تقول "الرجاجيل" . كان الود أن تستمر بقلمها الرشيق في مناقشة الموضوع والإشارة إلي نقاط الضعف والخلاف مع تقديم مقترحات المعالجة إن توفرت لديها.