ركن العامرية.. الجرد الليبي يجمعنا

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

عمّتنا سعادات لا توصف لانتصارات المدينة البنغازية على قوى الظلم والظلمات الداعشية، آكلة الأكباد الغضّة، فتغمد الله الكل برحمته وأفرغ الصبر الجميل على أفئدة صاحبات الأكباد الموتورة.

ورغم السعادات، إلا أن في النفس خطبا ما، فالمنطق يقول أن باستعادة الوطن لقلبه ستنبض بالحياة بقية الأعضاء، وسيعود الجسد المنهك لأحضان مريديه بدون اعتبار لأية أيديولوجية بليدة أو عقيدة وافدة أو عصبية قبلية مقيتة أو مناطقية بغيضة.

و لكن هذا إن عقلناها ونجحنا في دفن روح الكراهية و الشماتة والثأر التي تسكننا وعملنا على تجاوز الجراحات المثخنة فلا هبل ولا خبل ولا قانون عزل بائس ولا أداء سياسي أرعن ولا خطب غبية بغرض التلاعب على المشاعر بغية تصنيف الليبيين لمعسكر من اثنين لا ثالث لهما. ببساطة أقول بوجوب التحلي بالحكمة والتصرف بذكاء حتى يجمعنا الجرد الليبي و يلفنا جميعاً فلا الثوب يجمعنا ولا الغطرة أو الشادور أو البرنيطة.

ولا نكران لأهمية الحسم العسكري بل لعله الأهم و منه المنطلق للعفو والعافية لنسمو بذواتنا فيكون شعارنا، من دخل الديار الليبية بلا سلاح فهو آمن، ولنبحث عن الجمال ونجمّل القبيح ولنتصرف كرجالات عظام لفّهم الجرد الليبي يوماً فوق تراب هذا الوطن.

أعلم أن للفقد أوجاعا بحجم السماء ومرارة يُخيل للإنسان أنها لا تنطفىء إلا بالانتقام. في الحقيقة ليس ذلك إلا محاولات يائسة لإرضاء عاطفة هوجاء رغم أن الرجال بطبعهم لا يفكرون إلا بعقولهم أو هكذا شبه لهم، في هذه الحالة فليأخذوا إذاً من تلك المرأة الإيرانية القوامة قدوة لهم عندما فكرت بقلب عقلها وعقل قلبها وفكت حبل المشنقة من على رقبة قاتل ابنها الشاب.

أنقذته من الموت في اللحظة الأخيرة وأرضت حرقتها وهي الأم الثكلى بصفعة! قالت "لا أريد لأمك أن تمر بإحساس الفقد الرهيب الذي أعانيه أنا".

ثورة هاجت، لم تقدها عقول سرعان ما تحولت إلى كبوة وغصّة. وثورة لا يتبعها إصلاح حقيقي للعقل الجمعي لا تكتمل أبداً، فقد يُهزم الاٍرهاب عسكرياً ومعه تُهزم داعش وتنهزم، ولكن لن يكون انتصاراً حقيقياً مالم تتم هزيمتهم فكرياً. المعركة الحقيقية فكرية وهي الثورة الحقيقية وبكسبها يكون الانتصار العظيم.

تتسم شخصية الإنسان الذي يعيش في مجتمع ديني شكلي كالمجتمع الليبي بالإزدواجية كالتي نشهدها جلية المعالم في الشخصية الليبية. فسلوكها أضحى دنيوياً متدنياً ومتديناً تديناً شكلياً فوضوياً مخجلاً لا يمت للمثالية الشفاهية المرائية. وستظل هكذا إلى أن تخرج من عباءة الفكر الموروث.

وبالنظر في الأدمغة نكتشف أنها ليست بفارغة و لعلها لو كانت لهان الأمر ولكنها محشوة بأشياء هي أقرب للترهات منها للأفكار. لابد إذاً من التحرر من وطأة قيود الموتى لخلق حيز فراغ يمكن تعبئته بأفكار الأحياء التنويرية وبتدوير العقل ينمو الإنسان ذاتياً، وكما قال المرحوم النيهوم، يُولد الحي من الميت. كما يجب الاهتمام بالآليات الفكرية المستخدمة التي بحاجة إلى تفكيك من خلال عملية واسعة من النقد والنقض أيضاً.

لابد من هزيمة التوجه الظلامي بمواجهته بنظام تعليم عصري. نظام قائم على مد الإنسان بأسس التفكير الموضوعي والتحليل الواعي وأصول الفن والموسيقى والفلسفة إلى جانب نشر الوعي وثقافة الاطلاع على تجارب الأمم. كما أن للمثقفين مسئولية عظيمة في هذا الشأن لما لهم من تأثير على من حولهم.

ولكن ملامتي على كثير منهم، فهم يعشقون التظاهر بمجاراة العادات والتقاليد البالية، ربما تلافياً لواقع بليد أو حباً لنيل مكانة اجتماعية ما أو المحافظة على مكانتهم العالية الواهية بين البسطاء مما يجعلني أتساءل هل هم نتاج مجتمعهم أم أن المجتمع نتاجهم؟.

وأخيراً أدعو بدعاء المرحوم النيهوم"يا رب اجعل سماءك تمطر كتبا.. اجعلها تمطر مدارس جيدة ومعلمين وكتبا وسوف نصنع نحن المطر ونغسل عارنا!".

وأضيف وأقول "اجعلها يا رب تمطر حباً وعشقاً وولهاً وهياماً عسى أن يجمعنا الجرد ويلفنا كلنا".

فهل هناك بعد أفضل من هذا الدعاء؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات