ضمور العامل الداخلي في ليبيا

عمر الكدي |
عمر الكدي

منذ أن ذهب وفد من مدينة طرابلس إلى الاستانة عام 1551 ليطلب من السلطان العثماني المساعدة في تحرير المدينة من فرسان القديس يوحنا، أصبح العامل الداخلي في البلاد يعاني من ضمور شديد، فلم تستطع كل فعاليات البلاد تحرير العاصمة منذ أن احتلها الأسبان بقيادة بيترو نفارو عام 1510 قبل أن يسلمها لفرسان القديس يوحنا عام 1530.

بعد تحرير طرابلس تحولت ليبيا إلى مجرد ولاية تابعة للدولة العثمانية، وحكمها من السرايا الحمراء طابور من الباشاوات الأتراك والجنود الانكشارين القادمين من جميع أنحاء الامبراطورية المترامية الأطراف، حتى تمكن أحدهم عام 1711 من تأسيس الدولة القرهمانللية، التي يمكن اعتبارها دولة مستقلة بالرغم من تبعيتها الرمزية للدولة العثمانية، ولأول مرة يصبح الليبيون طرفا في هذه الدولة، فمؤسسها أحمد القرهمانللي تركي ولكنه تزوج من سيدة ليبية، كما أن أهالي الجبل الغربي ساعدوا القرهمانللي في السيطرة على طرابلس، الذي لم يتحدث خلفاؤه إلا اللغة العربية، وفي عام 1835 عاد الأتراك فبسطوا سيطرتهم على البلاد في ما يعرف بالعهد العثماني الثاني.

مراهنة حفيد السنوسي إدريس على انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية هو الذي ساهم في تحرير ليبيا من الطليان بعد معركة العلمين

في شرق ليبيا أنشأ مهاجر جزائري ينحدر من الأدارسة أول زاوية له في ليبيا عام 1843 عرفت بزاوية البيضاء، وهي أول مبنى يشيد في المكان الذي تحول إلى مدينة البيضاء، لم يكن محمد بن علي السنوسي يرغب في نشر دعوته الإصلاحية في برقة، وإنما أراد نشرها من منبع الإسلام بمكة المكرمة، حيث أنشأ عام 1837 زاوية أبي قبيس، ولكن اصطدامه مع المذهب الوهابي الذي لا يعترف بالتصوف جعله يفكر في نشر دعوته في برقة، وهناك أسس سلسلة من الزوايا وهو يتقهقر نحو الصحراء، حيث توفي في الجغبوب، بينما توفي خليفته المهدي قرب الكفرة، ومرة أخرى يقود العامل الخارجي الليبيين بفاعلية عجيبة، بل إنه أعاد النظر في البنية الاجتماعية القبلية وفقا للكفاءة، وهكذا أصبح عمر المختار من قبيلة المنفة المحسوبة على"المرابطين" يقود القوات السنوسية، بينما يساعده شيوخ قبائل السعادي التي كانت تحتل أعلى الهرم الاجتماعي.

واجه الليبيون الغزو الإيطالي وهم منقسمون باستثناء السنوسيين الذين تحولوا إلى دولة داخل الدولة، بل كانوا أقوى من دولة الأتراك في طرابلس التي تخلت عن ليبيا عام 1912، ففي الوقت الذي قاتل فيه الليبيون الإيطايين ببسالة في حرب استمرت عشرين عاما، كانت القبائل الليبية تقاتل بعضها، حيث استمرت الحرب بين الزنتان والرجبان من جهة والأمازيغ والمشاشية وأولاد أبوسيف من جهة ثانية، كما قاتل رمضان السويحلي السنوسية في اجدابيا، وحاول غزو بني وليد للتخلص من منافسه عبد النبي بالخير، وبعد استشهاد عمر المختار خضعت البلاد للإيطاليين بالرغم من الثمن الفادح الذي دفعته.

مراهنة حفيد السنوسي إدريس على انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية هو الذي ساهم في تحرير ليبيا من الطليان بعد معركة العلمين، وهو ما يعني أن إدريس كان يراهن على العامل الخارجي وليس على العامل الداخلي، وهكذا جاء استقلال ليبيا عام 1951 هدية من الأمم المتحدة أكثر من كونه نتيجة للجهاد الطويل والمرير، ولعل مطالبة الاتحاد السوفياتي بجزء من ليبيا عجل في موافقة القوى الاستعمارية التي كانت تفضل تقسيم ليبيا فيما بينها.

انقلاب القذافي عام 1969 هو الإنجاز الذي حققه العامل الداخلي، بالرغم من تأثره بعبد الناصر إلا أن البلاد دفعت الكثير من مستقبلها في ظل 42 عاما من الاستبداد، وفي عام 2011 واجه الليبيون كتائب القذافي بنفس الكيفية التي واجهوا بها الإيطاليين عام 1911، وهو ما يؤكد أن البنية الاجتماعية لم تتغير في البلاد بالرغم من مظاهر التحديث، ولولا مساعدة الناتو لما تمكن الليبيون من إسقاط النظام، وها هو العامل الخارجي يلعب الدور الأكبر في التوصل إلى الاتفاق السياسي بالصخيرات، مما يؤكد أن ليبيا لا تزال "طفل الأمم المتحدة" الذي لم يبلغ سن الرشد بعد 64 عاما على الاستقلال، في حين تمكن المجتمع التونسي من التوصل إلى التوافق دون تدخل خارجي، وهو ما حدث في مصر أيضا، بينما جمعت اليمن بين العامل الداخلي والخارجي، في حين تمكن العامل الخارجي من تدمير سورية المقسمة بين 14 طائفة وعدة أعراق.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات