الورع على الطريقة ليبية..

سعاد سالم |
سعاد سالم

1
تفضلي.. هكذا تناولت تذكرة الصعود وونلت مقعدا قرب النافذة كما أردت.. وبدأت منذ لحظتها الرحلة صوب الوجهة التي اخترتها وأنا مشوشة بألف احتمال. ففي مطار ليبيا بات كل شيء جائزا، قد يسألني أحدهم: مسافرة بمفردك؟ ولن يصعدني وقتها أحد إلى الطائرة سوى مزاج شريعته إن تلبسته.. أقول قد.. وعلى هذه القد أبني قصتي اللاحقة التي تنتهي بحذفي مع حقائبي خارج صالة الانتظار، أفيق من هذ القصة على احتمال آخر قد أنتهي إليه.

أن ميليشيا ما تحتل المدرج بسياراتها المثبت عليها رشاش مضاد للطائرات في تماهٍ مع غزوة ما لاتخلو من التكبير- ماحدث بحذافيره في يوليو 2014- أو أن يستلقي أحدهم أمام الطائرة وسبق وأن مواطنا بكامل قواه العقلية فعلها كوسيلة ضغط لم أعد أذكر تفاصيلها.. ثم أقول لنفسي: لكنها النمساوية.. وهكذا حتى أعلن عن قيام رحلتي وهاهي البوابة الأخيرة.

"في مطار ليبيا بات كل شيء جائزا"

ثم كرسي نعم على جناح الطائرة تماما ولكن أليس هو الذي سيأخذني لبعض الراحة.. لا بأس. أقفلت حزامي وصرت متفرغة لتفحص وجوه الركاب المهرولين نحو سلم الطائرة، الوجوه الليبية المألوفة ثم وجه بلحية وبنطال قصير. قلت في نفسي أرجو ألا يكون شريكي في هذه المقاعد الضيقة بوجهه المربد..فكان.. وكما توقعت جلس دون أن يكلف نفسه إلقاء التحية.. أخرج هاتفه وانطلق بإنجليزية ركيكة يكرر مفردة ماي فرند.. مكالمة متكلفة لا تقول شيئا تقريبا.. تململ.. حرك يديه ورأسه وكتفيه ثم لوى عنقه مرات عدة صوب باقي بطن الطائرة ثم استدعى المضيفة النمساوية الشقراء وسألها إن كان بمقدوره تغيير كرسيه فجاويته حينما تقفل الطائرة بابها بإمكانه فعل ذلك.. قليلا وقفز إلى كرسي آخر قرب ذكر آخر وتمتعت أنا بمساحة خاصة لثلاث ساعات ونصف في الطريق إلى فيينا.. السؤال ماذا يفعل هؤلاء في فيينا..

2
ابن جيراننا قبل فبراير يشرب الخمر والحشيش ويلقي بالكلام البذيء على الأرصفة التي لا يفارقها، حيث يقضي أوقات فراغه بين السرقات الصغيرة في زمن اللصوص الكبار، هذا الشاب العشريني والذي شارك بحماسة بعد فبراير في البوابات ولم يفوت أي مناسبة ليحمل الكلاشنكوف فوق زي الصاعقة وحتما واصل مع مظهره الجديد عاداته القديمة في السرقات الصغيرة وتدخين الحشيش وشرب البوخة وطبعا استمر إلقاؤه الكلام البذيء وهكذا حتى علمت باعتقاله من قبل عناصر تتبع قاعدة معيتيقة المعروفين بتوجههم الديني المتشدد والتهمة كتخصص هؤلاء تعاطي الحشيش.. وزجت به حيث تتكون قصص أخرى ومصائر جديدة يتصور هؤلاء أنها تخصصهم..

"ابن جيراننا قبل فبراير... يقضي أوقات فراغه بين السرقات الصغيرة في زمن اللصوص الكبار"

مر زمن ربما شهر ربما أكثر، لم أعد أذكر، حينما نهضت على مقربة من البناية التي أسكنها(النوبة) وما يصاحبها من صخب وطرب ورقص وزغاريد ولابد وكان صاحب هذه الزفة ابن جيراننا ذاته بمناسبة إطلاق سراحه، بعدها بيومين رأيت الحشاش السابق واللص القديم والثائر اللاحق وقد طال زغب لحيته يرتدي طاقية بيضاء وإزارا قصيرا على هيئة أهل السجن ومذهبهم. ومن يدري، لربما حوقل واستغفر وتعوذ من الشيطان بعدما أعطيته ظهري.



 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات