تعلم واترك..

سعاد سالم |
سعاد سالم

قضت كلمات جدتي، التي أكدت بها عدم الالتزام الذي يثير تمردي حينما دمجتها مع ابتسامتها (تعلّم واُترك)، قضت على خوفي من أن أعَلَقَ في هذا العالم الذي يحبط أحلامي في التحرر منه- أعمال البيت والطبخ تحديدا-.

"كنت بنتا صعبة على الترويض أمنح طاعتي المطلقة لرأسي والأسئلة التي تجرها الحكايات والكتب وخرّافات جدتي"

كنت بنتا صعبة على الترويض أمنح طاعتي المطلقة لرأسي والأسئلة التي تجرها الحكايات والكتب وخرّافات جدتي والعيش معها الذي يجعل كل شيء ممكنا في بيتها الطيني المفتوح على السماء، ولكنه قصري الذي لابد أن تفاجئني زواياه بأشياء مدهشة تدسها لطافة وكرم جدة مع أول حفيدة.

إذا دخلتُ ذاك العالم الممل في العطل الصيفية بأخطاء فادحة في البداية، ثم قررت أن أنتهي من الأمر وفي رأسي دائما جملتها اللا عَقد واللا التزام (تعلّم واُترك) أتقنت الكثير من الأطباق فبنات جيلي ماعدا المحظوظات اللاتي لم أصادفهن إلا لماما وأنا أعبر مراحل الدراسة كلهن مررن بنفس الدروس، فتلك عادات درجت على تأصيلها أمهاتنا، وفاجأني أن أمي المتعلمة تخضعنا لذات القانون واللاتي على اختلاف طباعهن أعني الأمهات كن يتباهين بأن (اصّبايا مهنينهم) وهكذا برغم تلك العبارة السحرية التي طمأنتني تواصل عملي حتى بعد انتهاء العطلات، وانهمكت بشغف في صناعة المأكولات لعائلتي. بل كثيرا ما أعفي أمي من مهام إعداد الوجبات رغبة مني في قتل الوقت وأحيانا قتل الأفكار وبضعة أحلام بالمّرة، وهكذا حتى غيرت الدراسة في الداخلي أحوالي.

فدائما هناك واحدة أو واحد يتولى مهمة الاهتمام بالآخرين، وكانت مفيدة صديقتي القادمة من يفرن هي تلك الأم الجديدة، وانتهت الجامعة وبدأ البحث عن موضع قدم في الحياة المهنية لتنتهي بمجرد وضعها في الجريدة آنذاك علاقتي بأعمال البيت عامة وخاصة المطبخ.

"عدتُ رويدا إلى المطبخ... وهذا ما فاجأني عدتُ إليه بكل تفاصيل عادات الطبخ القديمة التي تلقيتها مبكرا مع جملتي المفضلة (تعلّم واُترك)!!"

ما بعث هذه الذكريات التي قد لا تهمكم في شيء أن هذه الأيام الشديدة الوحدة والحادة كالسيف الذي يصفون به الوقت عدتُ رويدا إلى المطبخ، ولكن، وهذا ما فاجأني، عدتُ إليه بكل تفاصيل عادات الطبخ القديمة التي تلقيتها مبكرا مع جملتي المفضلة (تعلّم واُترك) والتي كانت صادقة جدا ككل كلام جدتي.. وبمعظم التفاصيل التي تصورتُ أنني نسيتها وأنا التي سخرتُ كثيرا، ولو بيني ونفسي، من كل تلك الكلمات المدبجة عن الغربة والحنين.. وذاكرة الأنف التي يرتلها الليبيون في طول الكرة الأرضية وعرضها.

ووجدت أنني أندمج بكليتي، وإن ليس بتلك الطريقة المباشرة في التلوي حنينا، ولكن في استرجاع (دباير حنّاي) والرتوش التي تتميز بها أطباق أمي، وأنني ألتزم حرفيا وبراديكالية لطالما جعلتني أقع على قفاي من الضحك حينما كنت على مقربة منها وتلزمني بها طقوس الكوجينة الطرابلسية بكل التفاصيل والإضافات الغاية في الأهمية، بل وضبطت نفسي، وياللسخرية، أصحح مكونات أطباق وأصرّ على تنفيذها كما هي كما لو كانت نصا مقدسا العبث به يلزم تصنيفه كعمل عنصري ومهدد للثقافة الليبية المقدسة.. وفي الحقيقة هذا يفزعني من ناحية واطمئن نفسي بأنه سقوط تام في الشوق الذي هو، على ما أرجو، حالة طبيعية تمر، لابد أن تمر.. حينما تكون على الضفة المقابلة لذكرياتك وأغلب عمرك.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات