الصحافة تريد إسقاط النظام

سعاد سالم |
سعاد سالم

حسنا، أي إسم آخر غير«هيئة دعم وتشجيع الصحافة» سيكون مناسبا لهذا الكائن الخرب الذي نهشه الفساد والواسطة وتجنيد المخبرين لصالح رؤسائها أكثر مما برعت في تخريج كوادر صحفية على الأقل لا تشترى بكروت وتذاكر وبضعة تكليفات المَنّ والمكافأة.

وبعد تجارب مريرة في هذه التركة التي دخلتها وجيلي بعد مرورنا على لجنة قبول حينما صادف أن تخرجي القريب وإنهاء الخدمة الإنتاجية توافق مع إعلان لمؤسسة الصحافة عن قبول خريجين جامعيين من مجالات مختلفة بما فيها الاقتصاد شهادتي.. وأعتقد أن ذلك كان أول وآخر عهد لهذه المؤسسة بقصة لجان القبول وإعلانات الوظائف.

كان وقتها، أي في العام 1994 بعض التقاليد التي مرنتني شخصيا على مختلف فروع الصحافة من الخبر وحتى المقالة مرورا بالتقارير واستطلاعات الرأي والتحقيقات، بل وداومنا، ذكورا وإناثا، في جريدة الجماهيرية وقتها كعمال بدالة فتعلمنا الصبر وحسن التعامل مع الناس واللباقة والتواضع، أو على الأقل هذا ما تعلمته شخصيا.

ثم بتواتر التغييرات في هرم السلطة بهذه المؤسسة التي صارت هيئة فيما بعد ظلت إداراتها والصحف تخضع لأمزجة وطموحات أو لزوجة وجشع الموظفين الكبار الذين شغلوا إداراتها على مدار سنوات، طالت أو قصرت، وخلال ذلك فقدت كشأن كل مؤسسات الدولة أي علاقة لها بالإنتاج بمعناه الوظيفي الذي يبرز من خلال تطور شكل ومضمون المنتج ناهيك عن القوة البشرية المفترض أنها تدربت وصارت أكثر كفاءة.

وخطر في بال أحدهم يوما، ربما بسبب شكاوى من ضعف الحال والمآل والصحف، أو لا أعرف، أن يمزح معنا بدعوته إلى«رغاطة» صحافية كبيرة كانت أهدافها توزيع المهام على لجان لفرز مواد صالحة للتلفزيون لم تنفذ أيٌ منها فثمة مافيا إذاعية تستحوذ على الإنتاج وهي كبيرة وقوية لدرجة أن لا أحد يمكنه اختراقها إن لم يعرف كلمة السر،وهذا كان أول خازوق ثم لاحقا لجان عديدة بما فيها لجنة احتياجات الصحافة التي عنت أدوات وبيئة الصحفي فكرة جيدة انتبهت، ولو متأخرا، لأهمية هذا الكائن الذي بدا آخر ماتهتم له هذه التعسة.

فالإداريون(الماليون تحديدا) وباقي خلية الورق والملفات والتواقيع والأختام والإجازات في الطابق السابع وقتها هم المالكون الفعليون للمكان والمتنعمون في مزاياه في حين تخلو شهادة مرتبات الصحفيين من أي ميزات في الجانب الأيسر بينما يمتليء الجانب الأيمن بالخصومات.

وهكذا سار الأمر دونما تغيير وكان الخازوق الثاني وليس الأخير لأن الحال المزرية للصحف كانت نتاج عقلية هزيلة تديرها وترفض التجديد مخافة التغيير وسحقت كل تلك الجهود والتوصيات مع احتجاجاتنا المتعددة وظل الصحافيون عبارة عن نوعين مهمشين ومستعبدين.

وعلى نفس الوتيرة واصلت الصحافة الفصل الهزلي بعد فبراير التي تصورتها شخصيا مصباح علاء الدين ستغير الحال وتحقق الحد الأدنى من أحلامنا وهو أن توضع معايير وتقاليد كأول خطوة نحو صحافة ستتعثر في البداية بسبب الضعف الشديد فقد ظلت لما يقرب العشرين عاما بيئة طاردة للكوادر الجيدة وبيئة عفونة تعتاش عليها أنصاف المواهب وأنصاف المتعلمين والفاسدون على أشكالهم أيضا ككل مصالح الدولة قبل وبعد فبراير ولكنها ستتغلب على ذلك في النهاية.

هكذا حدثت نفسي وكنت حالمة بالطبع لذا وأنا أرى هذا العتب والبيانات والجدل المتطاير هنا وهناك حول الصحافة وتسمياتها ومكانها ورئاستها .. أرغب فعلا، وأنا بعيدة الآن عن كل هراء قد يقال، عن أطماع لطالما لاحقت نواياي في التغيير وفي تحقق حلمي برد الاعتبار للصحافة التي أساسها الصحفيون أن توضع ضوابط ومعايير وتقاليد صحفية وميثاق شرف وخطة متكاملة لبناء هذا المنبر الذي أذلته فبراير أكثر مما أذلته سبتمبر، لأن الآمال كانت فوق مستوى الثوريين الجدد، و أن يوضع كل ذلك كبرنامج عمل ملزم لمن سيرأس الكائن الجديد، وحينها لن يعود مهما من يسيّرها لأنه سيكون ملزما بالتنفيذ وفقط على أن يراقب عمله وبدقة، أما الكفاءة والقدرات فهذا شيء لن أطمح إليه بعدما حطمت النخبة آخر آمالنا في بث هذه الروح ،الجدارة لا المكافأة والكفاءة لا الجهوية وذوو القربى ورهط السهريات والخدمات.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات