لعنة باب العزيزية..

سعاد سالم |
سعاد سالم

المشهد الذي ترتب في طرابلس، وخصوصا المساحة المحيطة بباب العزيزية، كان يذهب إلى تفريغ المنطقة من سكانها ليُحل آخرين مكانهم لن نعرف إن كان للمزيد من المقربين أم فقط للمزيد من غيلان الثروة التي في عهدة سيف الإسلام نشطت، إذ صار الفساد"على عينك ياتاجر" نهبا بالملايين عبر الرشاوى والعمولات التي ظل يدفعها الأجانب الطامحون للاستثمار في ليبيا.. ولن يختصرهم الياباني الذي صادفه أخي بسبب من ضجر يصطاد السمك(بقصباية) على الشاطيء قرب ذات العماد حينما صرح بيأس: ظللت أدفع المال لحلقات لا تتم بغية الحصول على عقد هنا.. ولم أصل بعد.. لاأعرف إن كان عليَّ البقاء أو الرحيل.. لا أنا ولاأخي الذي بقي صامتا- أيواسيه أم يواسي نفسه؟- نعرف ماذا فعل ذاك المستثمر الأجنبي. حدث ذلك في العام 2009.

في ذات الوقت توسعت المساحات التي بدأت تُسوِّر الشاطيْ في طريق الشط متنفس الناس محدودي الدخل والذين بلا دخل، فكما ظلت تحكي اليافطات التي امتلأ بها الطريق في المسافة من مطار معيتيقة وحتى ما بعد سيدي(لندلسي) مشاريع فنادق هائلة النجوم.. يافطات ضخمة ظلت تخلع قلبي من مكانه.

فالحكاية جادة وهي، بلا تعقيدات، تعني هش الفقراء خارج المدينة وتنظيفها من الفقراء لا من الفقر.. فالنقود التي أربكت سوق العقار وأدخلته في سعار رفع قيم العقارات على مختلف أنواعها وهيئتها بصورة مخيفة إنما كانت تدفع للناس في سبيل ترك بيوتهم للصوص الجدد مع الاهتمام بصناعة طبقة رثة تعتاش على هاته المنجزات التي ستكتفي بجعلهم خدما فيها.. فطرابلس كانت تتحول رويدا ووفقا لتلك المشاريع إلى مكان لا يخصنا وبالتأكيد حدث ذلك في مدن أخرى.. وهذه الغربة والخوف مما نمضي إليه حيث لا مستقبل لمعظم الشعب الذي أنا وعائلتي ننتمي إليه.. ظللتُ ألاحق التغييرات التي كنت موقنة بسذاجة أنها ستنتهي بثورة فبراير، ولكن إليكم مثالا صغيرا على ما تم في باب العزيزية.

من الطرائد للمغتصبات للمرتزقة للقناصة ووصولاً إلى أنفاق باب العزيزية، كانت مجرد أفخاخ أو ظلال على الحائط

إنه مجرد مفتتح للمدينة الضائعة منا مرة أخرى.. الفكرة أن كل الأشياء التي تعتقدها تؤدي إلى طريق، تتفاجأ بأنها مغلقة، قصص كثيرة ظهرت على أنها أعجوبات في الحرب الليبية 2011، الآن ملفاتها تُقفل عنوة، ربما لأنها لم تكن يوماً شيئاً حقيقياً وخطيراً أو موجوداً، لكن الإعلام صنع منها قصصاً تتلاءم والموت القادم من باب العزيزية، خصوصاً وأن الموت غيّر مكانه الآن.

فمن الطرائد للمغتصبات للمرتزقة للقناصة ووصولاً إلى أنفاق باب العزيزية، كانت مجرد أفخاخ أو ظلال على الحائط، والتي تشي بما ليست هي، أو بأكبر مما هي.. صديقتي تسكن في محيط باب العزيزية قالت: جاءت فترة كرهت أمي النوم في غرفتها بسبب الأصوات التي تسمعها كلما وضعت رأسها على وسادتها، حفر وآلات تعمل وكثير من الهمهمات غير المفهومة، كأنما المكان مسكون، وشخصياً بعدما شاهدت على واحدة من الفضائيات الأنفاق التي سلكها الناس تحت معسكر باب العزيزية.

توقعت أن الغموض سينتهي أخيراً، ولربما عربات التُكتُك(عربات صغيرة يمكنها المرور عبر الأماكن الضيقة) مشابهة لتلك التي رأينا فيها القذافي جالساً لأول مرة يدحض خبر فراره إلى فنزويلا، ستكون وسيلة مواصلات جديدة، توصل كما يُشاع للسرايا بميدان الشهداء وحديقة الحيوان وفندق الريكسوس، وقد نكملها إلى باقي الشوارع والأسواق وربما الشاطئ.. لكن حدث أن كل الأماكن التي قيل أن أنفاق باب العزيزية تفضي إليها ليست متاحة لأحد الآن، أو دعوني أقول أن ملكيتها تغيرت، وأنها عادت أماكن خاصة ربما.. كما كانت في عهد القذافي وعهد سيف.. تُرى من يملك اليوم مفاتيح أقفال وحقيقة أنفاق باب العزيزية، بعد أن اُختُطفت طرابلس من جديد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات