ليبيا.. فرصة الخروج من الصندوق

بشير زعبية |
بشير زعبية

اليوم تبدأ في المغرب جولة جديدة من الحوار الليبي، يأمل كثير من الليبيين أن تكون هي الجولة الأخيرة التي ستأتي مخرجاتها بحل سياسي يتبلور في الاتفاق على حكومة توافق وطني، وترتيبات أمنية توفر المناخ الذي سيمكّن هذه الحكومة من تأدية مهامها التي يفترض أن تكون مضمنة في هذه المخرجات، من ناحية، ومن ناحية أخرى إنهاء الوجود الفوضوي للسلاح والمسلحين في البلاد.

عامل الإنهاك والإرهاق والشعور بالتورط في حرب لا أفق لها بدت آثاره واضحة على الأطراف التي تورطت في الاقتتال الأهلي

المتفائلون في هذا المساق كثيرون، وتفاؤلهم ليس موقفًا عاطفيًا، وإن كان فيه بالطبيعة شيء من ذلك، ولكنه، بالقياس العقلي والمنطقي، هو تفاؤل واقعي أمام حالة ضاقت فيها الخيارات، بل انحصر الأمر في خيارين لا يبدو لهما ثالث حتى اللحظة، الأول هو استمرار الحوار بين الفرقاء الليبيين ووضع كل ما يدخل في توصيف الخلاف على الطاولة، وتغليب الحكمة ولغة العقل ومصلحة الوطن عما عداها من مصالح هي، كما أثبتت التجربة، جهوية أحيانا وشخصية أحيانا أخرى تحكمها ثقافة المحاصصة والغنيمة، أما الثاني فهو الصدام بكل أدواته وسيتجلى كما عاشته عديد المناطق الليبية خلال السنوات الأربع الماضية في مواجهات مسلحة لم تخلف سوى الدم والدمار وتراكم الحقد وتوسيع الفجوات الجهوية دون أن ينتج ذلك حلا، ولم يستطع طرف بالتالي أن يدعي الحسم، ولأن من يعجز عن الحسم العسكري لا يمكن أن يظل يطلق النار إلى الأبد، ولأن عامل الإنهاك والإرهاق والشعور بالتورط في حرب لا أفق لها بدت آثاره واضحة على الأطراف التي تورطت في الاقتتال الأهلي خلال الفترة الماضية، فإن الجميع مآلهم طاولة المفاوضات وإن أخذ ذلك مسمى الحوار.

إن الحل السياسي للأزمة الليبية ممكن وقريب أيضًا، فليبيا لم تدخل عمليًا حربًا أهلية متكاملة الشروط، والوضع فيها أقل تعقيدًا وأبسط من أوضاع بلدان كانت مسرحا لحروب أهلية حقيقية بتركيبتها الاجتماعية المعقدة من أفريقيا إلى آسيا مرورا بأوروبا، وتمكنت من تحقيق والأمن والاستقرار عبر تبني الخيار السياسي عن طريق الحوار والتفاوض والتنازلات من أجل سلام للجميع بعيدا عن معادلة المنتصر والمنكسر.. إن ليبيا أيضا ليست جزيرة معزولة فلها جوارها الإقليمي ولها تماس مع مصالح دول غير الجوار، إن من منظور اقتصادي أو جغرافي، أو من منظور سياق الحرب الدولية على الإرهاب مع بروز تواجد قوي على الأرض للتنظيمات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم"داعش" الذي يخطو بثقة وبقوة نحو مناطق الموارد النفطية في ليبيا، بعد أن استولى على مساحة من الأرض تعادل مساحة لبنان وتفوق مساحة مالطا بثلاثين مرة، ولم يعد يفصلها عن أقرب ميناء نفطي(السدرة) سوى 60 كيلومترا!

الحل السياسي للأزمة الليبية ممكن وقريب أيضًا، فليبيا لم تدخل عمليًا حربًا أهلية متكاملة الشروط

في هذا الحال تتوفر المعطيات التي تجعل من الحل السياسي أو السلمي هو الخيار الفرصة لخروج الليبيين من صندوق التناقض والخلاف والصدام إلى براح الممكن عبر الحوار والشفافية وتأكيد الانتماء للوطن وعيا بكل المخاطر الناجمة عن الإصرار على حصر الأزمة داخل الصندوق، وإذا ما أفلح المتحاورون في إنجاز خارطة الطريق المحددة في مخرجات الحوار وفي مقدمة بنودها تشكيل حكومة توافق وطني فإن هذا سيشكل معطى مهما وضروريا ليتعامل معنا المجتمع الدولي كدولة برأس واحد يمكن التعاطي معها وتوفير الدعم لها للشروع في بناء مؤسساتها، وعلى رأسها مؤسستا الجيش والأمن، وهو ما وعدت به الأمم المتحدة من خلال بعثتها للدعم في ليبيا ووعدت به الدول المؤثرة، وهي أطراف يهمها، الآن أكثر مما مضى من وقت، الوصول إلى هكذا نتيجة، مع بروز عاملين مقلقين بالنسبة لها وهما خطر الإرهاب المتمثل في ظهور"داعش" وتمدده قريبا من منابع النفط وموانيء تصديره، وتزايد موجات الهجرة غير الشرعية نحو الشمال.

وفي اعتقادي وكثيرين مثلي أن تلك الأطراف ستفي بوعودها خدمة لمصلحتها أولا، وأتذكر أنه بعد إنجاز إتفاق الطائف الذي جاء إنعكاسا لتوافق الفرقاء اللبنانية عام 1990 بدعم إقليمي ودولي، رفض العماد ميشيل عون الاتفاق وواجهه بالسلاح عبر ما سماه في ذلك الوقت بـ«حرب التحرير» ضد الجيش السوري رافضًا تعيين رينيه معوض رئيسًا للبنان ثم إلياس الهراوي بعد اغتيال معوض، أعطت الأطراف الراعية لاتفاق الطائف الضوء الأخضر لسوريا للتصدي للعماد عون و"تأديبه" بما في ذلك السماح للجيش السوري، وللمرة الأولى، باستخدام الطيران الحربي في لبنان، وكانت النتيجة القضاء على تمرد عون وخروج الأخير من البلاد ليبدأ تنفيذ اتفاق الطائف وحل الميلشيات المسلحة كإحدى أهم بنوده لتقوم دولة لبنان ما بعد الحرب الأهلية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات