تحت حماية الرايات المرعبة..

سعاد سالم |
سعاد سالم

بعد عام فقط على(ثورة) فبراير ما عاد العَلم شيئا يحرك القلب ولا النشيد الوطني ولا حتى المنتخب.. ما حرك قلبي وقتها ثقوب الرصاص في سور الشرفة- ولاتزال- و كلما نشرت نظرتي فوق البنايات المجاورة تتوسع الثقوب وذاك البيت المشوه الذي نبت كحدبة فوق سطح بناية مقابلة بديلا عن سارية رفرف فوقها الأخضر طويلا ومن بعده المخطط.. وها هو لا يترك مكانا لأية راية جديدة، إما لإيمان بما حصل أو لكفر به، لن أعرف.. ومن المفارقات أن العلم المخطط كاد أن يجعلني فريسة للمتحمسين للتحرير، وهي تسمية مضللة كشأن الكثير من التسميات والشعارات التي عمت كأورام في لغة الإعلام آنذاك حينما خرجتُ بدونه في غمرة الاحتفالات. فقد هوجمتُ وكاد أن يتفرق دمي بين المحتفلين لولا أن آثرت مواجهة المعتدين مؤزرة بصديقة.. وذلك في فبراير2013، فالحشود رأت أنني طحلوبة ومش عاجبني.. وكانت أول صدمة مخيفة مع أصحاب الراية المخططة التي باتت فجأة مصدر رعب.

في العام 2011 شهر فبراير.. في تلك الأمسية التي حملت كلمات القذافي بعدما ظن القوم أنه رحل.. وهاج بعدها الرصاص في طرابلس وخصوصا في الساحة الخضراء(ميدان الشهداء) قتل من قتل واختبأ من اختبأ.. واختلط الخوف بالذكاء أيضا.. فقد سرد لي ابن جيراننا كيف أنه من شارع ميزران(وسط العاصمة ومتفرع عن ميدان الشهداء) مرورا بشارع النصر حتى وصوله إلى شارع الجمهورية(مسافة تستغرق نصف ساعة من المشي على الأقل) وبعدما مرت بضعة سيارات تحمل مسلحين للبحث عن(الجرذان).. لم يطق المراهق صبرا في مكمنه في إحدى سقائف العمارات القديمة هناك بل خرج والتقط العلم الأخضر من عن أحد الأبواب وجعله تميمة حفظته من الاعتقال أو الرصاص.. فوصل سالما.. كانت ابتسامته وعيناه يلمعان أثناء إخباري.. شيء ما يوجع القلب في هذه الحكاية لأن ثمة راية جديدة الآن مثيرة للرعب حتى وأنت تحت رايتها.. فهي لا تعطي أمانا لأحد. ليس أدل على ذلك حرب أصدقاء الأمس.

الليبيون، وكالعادة، يكذّبون الأخبار التي لا تعجبهم

الحرب الأهلية الليبية الجارية بين معسكري الفجر والكرامة.. الليبيون، وكالعادة، يكذّبون الأخبار التي لا تعجبهم.. كما وأنهم، من جهة أخرى، ينخرطون بثقة في التصديق والتأكيد على الأخبار التي تلاقي هوى في أنفسهم على غرار الفضائح والتشهير وتعهير الناس أو طعنهم في ذممهم المالية، ومؤخرا الهواية الجديدة: التخوين.. لكن لنعد للنوع الأول من الأخبار التي لايصدقونها ويطلقون الشتائم على من يتيحها للنشر.. منذ بعض الوقت نُشر تقرير عن أن بعض العائلات زوجت بناتها لأفراد من(الدواعش) في ليبيا طلبا لحماية التنظيم الدموي وتجنبا لشره.. وغير أن الكثير من المناطق في ليبيا هي فعليا بيئات حاضنة لأفكار المتطرفين وأن عائلات وأحياء بمعظمها تنتمي للتنظيم وأفكاره وأفعاله، فإن كثيرا من الناس يصطفون وراء الواقف ليواصلوا حياتهم حسبما يظنون دون أن يمسهم أذى.. وهذا مارسه الليبيون طوال الوقت وأتصور ليس الليبيون فقط ولكن مارسه الكثير من الناس دائما لشراء الأمان والمال والسلطة أو واحدة منهم في الأقل.. وفي الوقت الذي يكثر فيه(التهدريز) والاجتماعات وتملأ أخبار الحملة على التنظيم في التحالف الدولي الذي يقصف يوميا تجمعاته في كل من سوريا والعراق لازلنا لانسمع إلا ما أحرزه من زحف كجراد آدمي ليقضي على الأخضر واليابس.. في الأثناء، الأهالي الذين يعيشون تحت حكم الجماعات المتشددة، وداعش تحديدا، سواء هناك في سوريا والعراق أو في ليبيا، كدرنة و أحياء كثيرة من بنغازي و سرت وصبراتة، يطلبون حماية راية منتصر ما ولو مؤقتا.. فلماذا لا يمكن تصديق أن الراية السوداء المرعبة.. تعمل عمل الراية الخضراء لمراهق حشر بين الرصاص وأنصار الفاتح؟

الحل الآن، ضرورة انتصار الحرية لينضم تحت رايتها الجميع.. وإلا إن نجونا من داعش فلن ننجو من الذين يريدون الحياة بأي ثمن، ولو تحت رايتها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات