واحد من الجيش..

سعاد سالم |
سعاد سالم

"لا يخدعنك هتاف القوم في الوطــن .. فالقوم في السر غير القوم في العلن"

معروف الرصافي

(مظلمومين ومحرومين.. يابلادي قانونك وين؟)..(الجيش اللي في تشاد فنيته ..يامعمر جاتك ذريته..) كما كل الحالمات و الحالمين تعربشت في هذه الهتافات بل وانحدرت دمعاتي وأنا أرى ثلة من الناس يهتفون بالقانون بلكنتهم البدوية وبمظهرهم البائس والمهلهل الذي ينتظر القانون ليسندهم وليتمكنوا من مواصلة الحياة..

وبالأرامل اللاتي علت أصواتهن وهن يثأرن من ذل الصمت والابتزاز الذي نالهن.. وشعرتُ أننا نسير في اتجاه الحياة..

تلك الهتافات القديمة الآن والبعيدة جدا عما حصل بعدها من تجليات وفنتازيا فاقت أفلام العقاد ومسلسلات نجدت أنزور عن حث الزمن ليعود للوراء بكل أوهام الفتوحات والهمجية التي لم تهذبها القوانين الوضعية فيما قوانين السماء تهرق المزيد من الدماء وكل آلهة البشر وأنبيائهم لم يتمكنوا من تقليم أظافر التوحش وقوانين المنتصر في السبي والتشفي والتنكيل بل دعمته بالكتب والتفاسير والأئمة الذين بمثابة آلهة جدد الآن..

حينما بنت جيراننا المخطوبة من عسكري انتظرت عشر سنوات لتتزوجه

ولكن مؤخرا عاد المشهد الذي غاب طويلا عن ذاكرتي.. الجنود الليبيون..في أزماتهم المتكررة مع هذه البلاد ومع هذا الشعب الذين هم جزء منه ولكنهم ليسوا كذلك بصورة ما.. فالجنود الذين كانوا في حقبة السبعينات وبداية الثمانينات حلم البنات وكانوا الرجال الذين تروج لهم أغاني الزمزامات ومطربات الأفراح في طول البلاد وعرضها وكانت الكليات العسكرية يحال إليها آلاف الطلبة من المتفوقين في الثانوية العامة.. شهدوا وشاهدوا الانقلاب الذي حصل عليهم.. حينما بنت جيراننا المخطوبة من عسكري انتظرت عشر سنوات لتتزوجه..وكيف لا نقود في حساباتهم المفتوحة على كل الاحتمالات إلا العيش الكريم وحينما بدأت النعوش الفارغة تصل للبيوت في مختلف أنحاء البلاد بات هذا الجندي فجأة لاقيمة له.. ميتا كان أو حيا.. وعلت شأن مكونات أخرى انصرفت إليها أحلام البنات وأغنيات الأفراح.. ونُسيت تماما كما أراد العقيد تلك الآلاف من التلاميذ والجنود والضباط والضابطات الذين واللاتي غدو وغدون بقعة سوداء في ذاكرته وكان لابد أن ينساها تماما.. ومضت وراءه الجماهير..علّم ياقائد علّمنا.. كما تفعل الآن تماما بعدما اُستبدل معلم بمعلم آخر.. وهكذا مضى الأمر فوق الأرض الليبية من دون حاجة لذكر الجيش بل عممت أسماء أخرى فقط لتصبح مفردة جيش القديمة تلك.. بحشوده التي فنيت في تشاد وأوغندا ولبنان وبقع أخرى لن نعلمها وفنيت بالتهميش لتظل مفردة غريبة على الإنسان الليبي صاحب ذاكرة السمكة لذا مازلت لا أعرف كيف أعتذر من هؤلاء الذين ذهبوا ذبحا بالكلام أو بالسكاكين..

ولا كيف أستطيع التخلص من الغصة والفقر الذي أتشارك بهما مع هؤلاء الذين دائما كانوا مع ليبيا حتى والنيتو يفرغ عليهم حممه.. ولكن قط لن أقدر على تعويض هؤلاء الذين واحد منهم كتب ما أرغب أن تتملّوا جزءا منه جيدا:"الأمور في شارع فينيسيا لن تسر أحداً كل تلك العظمة الاقتصادية التي استفزت المعدمين تحولت إلى عدم..وتحول كل ماهو فاخر ونفيس إلى رماد.. الملايين الخضراء وملايين فبراير والملايين الحلال كلها تحولت إلى أصفار إلى اليسار.. أقضي النهار في معرض للسجاد وردحاً من الليل نائماً على سرير وثير في معرض شقلوف للأثاث.. لم يسبق لي في حياتي شراء بطانية مماثلة على الإطلاق، الله يشهد أننا لم نقتحم تلك الأماكن، كنا فقط نتجول بين ركام فينيسيا شارعاً شارعاً وبيتاً بيتا.. فإذا ما حل الليل تسترنا بالأبنية تحاشياً لقناص خوارجي يمتلك منظاراً ليلياً لانمتلكه نحن".." طال مكوثي ورفاقي بالشارع حتى تيقنا كلنا كم نحن فقراء ومعوزون، نحن لسنا كلصوص سرت، نحن الجيش الليبي الذي تأسس قبل 70 عاماً "..

" لايزال الظلاميون يلوحون لنا بين الحين والحين من وراء مشروع الأبقار، كُسرت ذراع ناصر العقوري فلم يتفطن للكسر إلا بعد أيام.. انكسرت ركيزة الدوشكا فهوى بها إلى الأرض أثناء الرماية، بعد تصوير ذراعه ولفها بالجبس عاد إلى القتال، هو ليس من عشاق البرشة وميسي، هو من عشاق ليبيا ويدافع عن شارع المترفين وهو الفقير المعدم، عندما تنقصنا المواد والمعدات العسكرية الحساسة نلجأ إلى تاجر السلاح الوحيد بالجوار(الشعب الليبي) وهو تاجر جشع معدوم الضمير أسعاره أكثر فحشاً من أسعار شارع فينيسيا في سالف العصر والأوان، يريدنا أن نحرره من الدواعش بأسرع ما يمكن ويرفض تزويدنا بالمعدات العسكرية مجاناً، هل سمعتم بشعب يبيع السلاح لجيشه الذي يدافع عنه؟؟".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات