السفينة «المشبوهة»

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

بصرف النظر عن نوع حمولة السفينة التركية«تونا 1»، التي قصفها سلاح الجو الليبي مؤخرًا، فإنَّ الحادث في حدِّ ذاته يثبت أنَّ«تركيا- أردوغان» قرَّرت اللعب على المكشوف مع العالم العربي، ولم يعد دعمها لقوى التطرُّف والإرهاب في المنطقة يتم في سرية أو بطريقة غير مباشرة كما كان يحدث من قبل، بعد أنْ فتحت أبوابها على مصراعيها لاستقبال المتطرِّفين من شتى أنحاء العالم والزج بهم إلى الجارة(سورية)، حتى أصبحت مجرد أطلال.

فهل قرَّرت تركيا نقل تجربتها في تدمير سورية إلى ليبيا، خاصة بعد أنْ تأكدت من القضاء الكامل على سورية وأنَّ ديكتاتورها أصبح محاصرًا في دمشق وسط أعداد محدودة من شبيحته وبقايا أجهزته الأمنية القمعية؟

وهل شرعت«تركيا- أردوغان» في نقل فائض«الدواعش» من سورية إلى ليبيا للقضاء على ما تبقى من أمن واستقرار الشرق الليبي؟

وماذا تريد تركيا بالضبط من ليبيا؟

أسئلة عديدة تطرحها حادثة السفينة«تونا 1»، أبرزها أنَّ طاقمها كان على علم بقرار الحكومة الليبية المؤقتة بفرض حظر على الملاحة في هذه المنطقة، وأنَّه ينبغي عليه ضرورة الحصول على إذن مسبق للدخول إلى ميناء درنة بالذات، كما لم يمتثل الطاقم لتحذيرات أجهزة الأمن ولم يستجب لتعليماتها ومضى في طريقه إلى هدفه بثقة مثيرة للدهشة.

لكن بيان الخارجية التركية حول الحادث تجاهل كل هذا، وزعم أنَّ السفينة كانت تحمل مواد غذائية، وأنَّها كانت في المياه الدولية أثناء قصفها، ولم يفسر معنى خروج جرافتيْن مجهولتيْن من الميناء لحماية وتأمين السفينة، مما يثير الشكوك والريبة في حقيقة حمولتها.

الأمر الذي يثير الشبهات حول حمولة السفينة التركية أيضًا، أنَّها بعد استهدافها وإصابتها ومصرع أحد أفرادها وجرح أربعة آخرين من طاقمها، أبلغت السلطات الليبية بأنَّها سوف تتجه إلى ميناء طبرق، ثم فجأة دخلت المياه الدولية واختفت عن الأنظار!

ليس خافيًا على أحد أنَّ درنة منطقة ساخنة أمنيًّا كونها أكثر مناطق نفوذ تنظيم«داعش» في ليبيا

ليس خافيًا على أحد أنَّ درنة منطقة ساخنة أمنيًّا كونها أكثر مناطق نفوذ تنظيم«داعش» في ليبيا، وأنَّ ميناءها هو نافذتهم الوحيدة المضمونة للاتصال بالعالم الخارجي، وأنَّ تركيا ربما تكون البلد الوحيد الذي يستقبل عناصر التنظيم الإرهابي من كافة دول العالم بكل أريحية، فهل ينتظر أردوغان أنْ يصدقه أحد بأنَّ«تونا 1» كانت تحمل الخير لليبيين؟!

إنَّ هذا الحادث يكشف بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ«أردوغان» أصبح يناصب العداء للشعوب العربية بطريقة صارخة، وأنَّ حكومته لا تتورَّع في توظيف أعتى قوى الإرهاب والتطرُّف مثل«داعش» لخدمة أهدافه غير النبيلة، وأنَّه مستعد للتضحية بسمعة بلاده من أجل تحقيق طموحاته الاقتصادية وتوسيع نفوذ تركيا السياسي في المنطقة على حساب مصير ومستقبل شعوبها.

إذا كان سلاح الجوي الليبي تمكَّن من التصدي للسفينة التركية في المياه الإقليمية، فكم سفينة أخرى غيرها تسللت بالفعل إلى درنة ونقلت مئات الدواعش، إلى جانب أطنان المتفجِّرات وشحنات العتاد والأسلحة التي يقطعون بها أعناق الآمنين والأبرياء؟!

إن الأمر الإيجابي في الحادث، أنَّه كَشَفَ يقظة الجيش الليبي، وقدرته على بسط السيطرة على المياه الإقليمية، بالرغم من ضعف الإمكانات وقلة المعدات والظروف القاسية التي يعمل أفراده في ظلها، تحت حصار دولي يحرمه من التسلح بالطريقة المناسبة.

أتصوَّر أنَّ ضربات الجيش الليبي الموجعة للتنظيم الإرهابي قلمت أظافره وحاصرت عناصره، مما دفع قادته إلى طلب المساعدة الخارجية التي ربما كانت قادمة على متن السفينة التركية المشبوهة، فهل يمكن استثمار حادث السفينة التركية الأخير لحشد الجهود العربية والدولية لرفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي كي يتمكَّن من بسط الأمن والاستقرار في هذا البلد؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات