غاكاكا ليبية.. ولا بُدْ..

سعاد سالم |
سعاد سالم

"علينا أن نتعايش معا كالإخوة وإلا سنموت معا كالأغبياء" مارتن لوثر

في أبريل الماضي هب الضجيج العالمي حول إبادة الأرمن من قبل الترّك منذ مئة عام مع أن قيم الإمبريالية والعنجهية سائدة في العالم أجمع حينها حتى يبدو بكاؤها بهذه الهستيريا منفعلا ومفتعلا، لأنه في أبريل ذاته كانت 20 عاما مرت على ذكرى مذابح التطهير العرقي التي نفذتها قبائل الهوتو في قبائل التوتسي راح ضحيتها 800 ألف من التوتسي، ووقفت وقتها نفس الدول التي تقيم المناحات على الأرمن ليس فقط متفرجة على المجازر بالسيوف والفؤوس الدائرة في الشوارع في تلك الدولة الأفريقية بل ثمة مايؤكد تورطها، فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وأمريكا، في تغذية الصراع بمساندة الطرفين، وهي مناسبة أكثر فائدة ليذكرها العالم حيث تتكرر حروب مماثلة هنا وهناك تحت عناوين مختلفة ولماذا هي أكثر فائدة ..؟ لأنها ذكرى اشتملت على روح مختلفة أعادت حياكة نسيج الحياة في هذا البلد الأفريقي بما حف المأساة من تحلٍ بالمسئولية وانسجام الألم مع المقدرة على الغفران.

هذه الرواندا وبما شهدته المائة يوم من أعمال إبادة حين سُلمت قوائم بأسماء الخصوم إلى الميليشيات الذين ذهبوا إليهم وقتلوهم وجميع أفراد أسرهم، بل قتل الجيران جيرانهم وقتل الأزواج زوجاتهم من التوتسي بعد تهديدهم بالقتل إن لم يفعلوا، واحتجزت الآلاف من نساء التوتسي ليغتصبن تاليا وقُتل كل توتسي مر على نقاط التفتيش التي أقامتها ميليشيات الهوتو التي يطلق عليها اسم" إنتراهامو" إذ حملت وقتها بطاقات الهوية الشخصية للراوانديين الانتماء العرقي.. الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل السعار كان على أشده حينما أنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية وصحفا تنشر الكراهية وتحث الناس على التخلص من"الصراصير" أي قتل التوتسي.. وكما ترون لا يبدو المشهد غريبا بكله فبعض تفاصيل هذه الحرب الأهلية لازالت تجري الآن فوق رؤوسنا.

إذا ماذا جعل رواندا قدوة في تغليب المصلحة الوطنية بالعف والكف عن المزيد من العنف؟ إنها الكلمة السحرية المصالحة التي وصفت بالمذهلة لأنها جرت بين القَتَلة والناجين من خلال الاعترافات الفردية والمغفرة والصفح فيما يعرف بمحاكم الغاكاكا .. والتي تستمد فكرتها من مجالس شعبية تتولى حل الخلافات في القرى والمدن من قبل الحكماء والشيوخ.

أنا المواطنة الليبية ماكان جرى في رواندا يستدعي اهتمامي ويمنحني الكثير من الأمل وأنا تحت تداعيات الكراهية وحرب الانتقام والتاريخ الحقود والمصالح الضيقة

وهي تجربة نجحت في نطاقاتها المحدودة التي تمت فيها في ليبيا غير أنها، أي رواندا، فعّلت هذا النظام بوضع مبادئ وضوابط أساسية. فغير أن إجراءات التحقيق والمحاكمة كانت سريعة وناجزة الأهم من ذلك كما توضح النتائج فيما بعد هو فرز من تتمكن العدالة من إعادته إلى المجتمع من هؤلاء المجرمين لإعادة انخراطه ومن ثم إعادته إلى الحياة الطبيعية وكما يؤكد التقرير المعد بالخصوص أنه"ومن المبادئ التي التزمت بها المحاكم وفق نظام الغاكاكا أنه لايتم إصدار أحكام بالإعدام مهما كانت الجريمة المنسوبة للمدان، وكذلك إصدار الأحكام بحق الأحداث من المدانين الذين لم يبلغوا سن 18 سنة وتجاوزوا سن 14 سنة أن تكون نصف العقوبة المقررة للبالغين، أما من لم يبلغ سن 14 سنة فيتم إطلاق سراحه وتسليمه إلى ذويه بمقتضى القانون".

ولأن تقديم المدانين إلى المحاكم يعيد ثقة الناس بمؤسساتهم القضائية فضلا عن كونها مثالا للردع.. عمد نظام الغاكاكا إلى تقسيم المتهمين إلى أربع فئات، الفئة الأولى هم من خطط للإبادة الجماعية من القادة والمخططين ورموز السلطة التي أسهمت في تحويل تلك المخططات إلى واقع إجرامي عملي سواء منها القتل الجماعي أم عمليات الإبادة أم التعذيب الجسدي أم الاغتصاب الجنسي، والفئة الثانية هم المشاركون في عمليات القتل والتعذيب والإبادة أو من ارتكب جرائم الشروع بالقتل أو مرتكبو جرائم العنف الخطيرة التي لم تصل لمستوى القتل، والفئة الثالثة هم مرتكبو أعمال العنف الذي لم يصل إلى مستوى الموت ثم الفئة الرابعة والأخيرة من ارتكب جريمة من جرائم التخريب والاعتداء على الممتلكات العامة التي نص القانون على معاقبة مرتكبيها.. بهذه القدرة التي ظهر فيها الجناة مع أقارب الضحايا في صور نشرها التقرير منحوا بلادهم وأجيالا قادمة حقهم في وطن موحد وقابل للصفح ومعاودة العيش المشترك.

لذا، أنا المواطنة الليبية ماكان جرى في رواندا يستدعي اهتمامي ويمنحني الكثير من الأمل وأنا تحت تداعيات الكراهية وحرب الانتقام والتاريخ الحقود والمصالح الضيقة بالاستفادة من هذا النظام الذي لدينا جذور فيه، مضافا إليها مسودة الاتفاق السياسي برعاية الأمم المتحدة التي ستحيي من جديد مفردات الوطن والسلم الأهلي والسيادة والمؤسسات وتفتح الطريق أمامنا باختيار الكفاءات دون تمييز كما نصت عليه المسودة في إشارتها إلى التكليفات بحكومة التوافق المناط بها إعادتنا إلى خارطة العالم..
دعونا، على الأقل، نحترم وعدنا الذي كررناه:
"إننا ياليبيا لن نخذلك " .

*المصادر : مجلتا "ن بوست" ، و "صوت الآخر" عن المذبحة ومحاكم الغاكاكا التي تعني باللغة الوطنية حسب نفس المصادر غينيا-رواندا

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات