شعبٌ من الخلايا النائمة..

سعاد سالم |
سعاد سالم

الكتب التي قرأتها عن كابول*، تلك الكتب المملوءة ليس فقط بالتنهدات والأسف بل وبالغبار والركام، شيء مدهش مثل اكتشافٍ قاسٍ لكنه بديع.. كما الكتب التي ألفها العراقيون عن بغداد.. كتب مكتظة بالتفجع والسحر في آن.. بصورة ما هذي الكتب أجدها اليوم محتفظة بحزنها الصلب والطويل والمصّر.. لكنني صرت كلما أقفلت الجلدة الأخيرة لكتاب جديد حول إحدى المدينتين أحس أنني أختنق وأرغب في السعال.. الآن بات ممكنا لليبيّة مثلي أن تشم الخوف وتميز نوع السلاح وتتعرف على العين الخائنة وتدعو الله بحرارة ألا يجد التراب والملاعب المكتظة بالشرهين للدم طريقا لقصص تتخمر لتصير كتبا عن ليبيا..على الأقل لوقت كاف لئلا تسمى هذه البقعة خرابا.. ولكن بلى.. أنا فقط أهرب على الطريقة الليبية التي لطالما آلمتني وعطلتنا.. ومن أن المَشَاهد هنا شديدة الخصوصية مع انتشارها.. فالولد الذي بكى نادما في مقابلة صحفية على قتله ليبيين مثله في حرب 2011 لأنهم مع الجماهيرية العظمى أو فقط لأنهم ضد قصف النيتو لبلادهم ظل مشهدا محدودا وإنسانيا أكثر مما يحتمل الحماس وعنجهية الانتصار الموقوت والجهل العام والبراغماتية البدائية.. لذا.. بقيت التقارير حول ذبح جنود ليبيين ممن ُسموا آنذاك جيش معمر في مناطق متفرقة في الشرق الليبي درنة والبيضاء وبنغازي.. مخفية والتنكيل بآخرين اتهموا، بسبب لون بشرتهم السوداء والبين بين بالمرتزقة - كأن الليبي الأبيض فقط - واحد منهم على الأقل علقت جثته فوق جسر وشاهدناها كلنا.. و الجنود القتلى المخصيين في الجبل الغربي(نفوسة) وأولئك المنكل بهم في مصراتة.

هل تذكرون قلب جندي الدبابة في يد ستيني بلا حكمة

هل تذكرون قلب جندي الدبابة في يد ستيني بلا حكمة.. وخبايا وقصص الذين ليس لديهم ومنذ أربعة أعوام سوى أرقام في مقبرة جنات، هذا الملف الذي سيطاردنا حتى تفتح المقبرة وترجع الأسماء للضحايا وتتحقق العدالة في القَتلَة.. كنا والحال ذاك مررنا بمرحلة الإسفاف التي جعلت رئيس النظام الجديد وقتها السيد مصطفى عبد الجليل يكذب في واقعة مقتل اللواء عبدالفتاح يونس حينما أسبل عينيه في تلك الأمسية اللعينة غاضا البصر عن الجزارين وقال: أن المعلومات غير مستوفاة..ثم واقعة سرت ومجزرة الجنود في أحد فنادقها موجودة في الصور وفقط وليس في الذاكرة الليبية.. ملاحم مخجلة ساندها الحساسون اليوم لمشاهد الذبح ولتراجع قيادات المقاتلة وربائب القاعدة عن مراجعاتهم حتى تم بالتدريج تعميم الاغتيالات التي ظهر شعب المبررين لها والتعمية عن الفاعلين.. والتكذيب.. ولم ينته بتصفية نساء ورجال الجيش والأمن فرادى وجماعة.

في فترة قريبة وصل معدل الاغتيالات في بنغاي وحدها إلى إحدى عشرة حالة في اليوم الواحد ولن ننسى السبت الأسود أمام الكتيبة التابعة لبن حميد وقتلى غرغور بطرابلس وما بينهما وما بعدهما مرورا بتصفية عائلات من القذاذفة ومن تاورغاء وصولا إلى عائلة الحبشي وأخيرا آل حرير.. إذا لماذا هذه البكائيات الآن.. كانت البشاعات منذ البداية تؤسس لنظام دموي سواء من الذين سموا لمدة طويلة لاذوا بالفرار ومجهولين ثم صاروا ملثمين تحت الراية السوداء التي عمت استعراضاتها منذ 2012 وحتى أولئك الذين يحتلون طرابلس بعدما هجّروا أحياء كاملة فيها وأسروا وأذلوا وقتلوا ومثلّوا بالجثت تحت كاميرات إعلامهم والتكبير طبعا.. كل هذا حدث وماخفي أعتقد أنه أكثر خسة من كل ماعرفته وعرفتموه.. وكما خُذلت سلوى بوقعقيص ولم ينجدها أحد وكما خُذلت عائلة حرير ولم يساندها أحد وكما خُذل الجيش الليبي وسُلم للسكاكين دون أن تستيقظ وطنية أحد ..خُذلت ليبيا في العموم بهذا الشعب من الخلايا النائمة التي مكنّت لكل هؤلاء وإن حكموا.. سيلعبون معهم بالرؤوس وسيرجمون وسيجتمعون في الملاعب مثلما فعلوا قبلا في أكثر من تاريخ وأكثر من زمن لمشاهدة الإعدامات وقطع الأيدي والصلب.. الرواية الليبية يا أصدقاء كُتبت فعلا.. في انتظار التجليد.. أو انتفاضة.

* من ضمن الروايات التي قرأتها عن كابول: سنونوات كابول..للكاتبة ياسمينة خضرا.. أنهيتُ قراءتها قبل شهر..فأرعبني طريقها المسدود.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات