يخلق من الشبه ملايين الليبييات..

سعاد سالم |
سعاد سالم

"لولا ثوارات النساء في التاريخ لما تحرر العبيد لا يحرر الطفل من عبوديته إلا أمه، ولايحرر الرجل من بدائيته إلا امرأته " د. نوال السعداوي

كم أخشى التماثل والتشابه وكلما سمعت جملا تتردد من نوع.. ليبيا نسيج واحد- أتخيله بلون سادة- طيف واحد، دين واحد لا ينتابني السرور الذي أراه فوق محيا أفراد هذا الوطن على الشاشات.. طبعا توقفوا منذ زمن عن بث هذا الكلام وتخصصت قنوات النسيج الواحد في(ترييش) هذا النسيج وهذا ليس ما أردته بل تمنيت لو يتلون النسيج الواحد لا أن يتمزق.. على كل حال وفي دورة حياتي قبل سنتين- والأمر لا يختلف بعدها بالطبع- وعلى طول المسافة من مدرسة اللغة للبنك ثم للصحافة وأخيرا للبيت وجوه وملابس نساء طرابلس متشابهة وحسب الصور يبدين متشابهات من مساعد إلى راس جدير.. بعضها متطابق، أحيانا أخطئ وأقول هاذي أمي.. أو مثل(مشية) جارتنا.. تلك طريقة وقفة أم إحدى صديقاتي.. وهاته هيئتها كأنها(أبلة) خديجة وهكذا.. حتى أيام(الفراشية) البيضاء وحسب، لم تكن الطرابلسيات يشبهن بعضهن إلى هذا الحد البائس.. ماذا يحدث الآن.. لماذا ملامحهن واحدة تقريبا، ومتى انطفأت نظراتهن وجباههن؟ سارحات في طرقهن مثقلات الأكتاف والرؤوس.. وعيونهن اللاتي تغنى بها الشعراء بكحل أو بدونه بمسكارا أو لا ساهمة مفكرة وبلا حياة، جلهن وبأعمارهن المختلفة يتعثرن تحت أكوام العبايات والجلابيب و(الإيشاربات) القاتمة التي تغطي نصف أجسادهن وأخريات وإن بسراويل ضيقة وأوشحة الخليجيات هن كائن واحد تقريبا..

الليبيات..لغز هذه البلاد ومفتاحها أيضا.. ولكن ليس بنمط التفكير الواحد ولا بالحياة المتطابقة مثلما كانت بضاعة الأسواق المجمّعة و(سبيزة) المؤسسة الوطنية للسلع التموينية، و(قفاطين) شارع الرشيد وإن ظهر شكل آخر، لون آخر للنساء في هذا الفضاء الرث يكون حسب نظرته الأحادية الجليلة والمبجلة كفرا وتنصرا وعهرا وإحدى علامات قيام الساعة لأنه مشع وواضح ومختلف وخارج الملل الليبي العام الممارس بحماس نسوي منقطع النظير وحيث المدارس ومنذ مايزيد عن العقد ماكينة تفريخ لنوع واحد مدجّن من الليبيات..

فهذا الكم الهائل من المتشابِهات كيف سيسمح بمرور مفردات وأفكار ورؤى أكثر جرأة من مظهرهن وأعمق من رؤيتهن لأنفسهن كعورات لابد أن يختبئن ليدخل الذكور إلى الجنة

قد تقولون المظهر ليس دلالة على شيء.. ولكن بلى .. فاللواتي يدسسن شعورهن خوفا من زبانية النار ويرين الله كما يصفه جمع الذكور على شاكلتهم شبقا ونهما للتعذيب والكوي بالنار ومغرما بإهانتهن وإسدال الحُجبِ فوق أرواحهن قبل أجسادهن سيجعلنني أخاف على ماهية الحقوق ومفاهيم الإنسان الكامل الخلقة والمؤهل لتحمل مسئوليته في مواجهة القانون لا أمام الكهنة والشيوخ.. لذا كلما رأيت هذا اللباس الذي يتسربلن به ولم تنجُ منه إلا القلة المصنفة في قاع الجحيم.. ورأيت هذا الاختصار المروع للنساء في خانة ملحقة أم إبنة زوجة.. في منشورات عضوات في حراك دسترة مجلس أعلى للمرأة.. عضوات هذا الحراك لا يلحظن لغتهن التي أوصلت النساء منذ زمن في هذه البلاد لأن يصبحن حملا زائدا أو ملحقا بالآخر.. ما أنشأ أجيالا من الضعاف المعرفة من الجنسين والمملوئين بالأساطير والكثير من سوء الفهم.. والارتباك الذي حاصرتهم به التكنولوجيا والفضاءات المفتوحة وتدفق المعلومات المناقض لما يتغذون عليه من ثقافة متقشفة والكثير من الغلظة والشوفينية والتي لا تنسجم ولا بأي شكل مع المنجز الإنساني في العلاقات والقوانين والتشريعات التي باتت تحكم العالم.. فهذا الكم الهائل من المتشابِهات كيف سيسمح بمرور مفردات وأفكار ورؤى أكثر جرأة من مظهرهن وأعمق من رؤيتهن لأنفسهن كعورات لابد أن يختبئن ليدخل الذكور إلى الجنة.. ناهيك عن أن تخرج من بين أيديهن أطر وقوانين تعيد للنساء كيانهن وتخرج أجسادهن من خانة الملكية العامة وهن يؤمن أن حواء أخرجت آدم من الجنة.. لن أعرف.. ولكني مازلت أؤمن بالمعجزات.

* الذكور في المقال تشير إلى البنية الفكرية لاتصنيفا جندريا.. كثيرات يفكرن ويتصرفن بذكورة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : صـُعلوك !

    27.04.2015 الساعة 06:52

    حيّهل سعاد .. في رواية " ظل الأفعى " للمفكر المصري يوسف زيدان يسهبُ بإطناب في كيفيّة تطوّر المرأة بطريقة عكسية تماماً منذ العصر "قبتاريخي" وحتى اللحظة ! ولا أظنه يلقي اللوم على الأديان بقدر ما صبّ جام غضبه الفكري على " إمبراطورية الذكورة " قائلاً أن كل الركائز الحصينة التي شيدها الكهنوت منذ انبثاقه كانت أعمدة أساسية لنشأة ما يعرف بالتفريق بين الرجل والمرأة لا سيّما الفروق البيولوجية بينهما، جاعلاً من الرجل سيّد الإمبراطورية والمرأة خادمة السيد ... نحن بحاجة ماسّة لثورة فكرية وأخشى ما أخشاه أن ينفخ في الصّور نفخة البعث ولا يعيش اللاحقون ثورة فكرية . على أي حال : لا يبتسم ثغري في هذا البراح إلاّ حينما أقرأ لكِ، أنت والكاتب الأريب محمد الجويلي .. ودّي وامتناني لكِ - لكُما - لكم .