رجل.. لا يُنسى!

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

عندما أنفرد بنفسي أتذكرك، أسترجع كلماتك مع كل محنة، عند الصعاب أستدعي صبرك وقدرتك على التحمل مهما كانت قسوة المتاعب ومهما كان نوع الأزمة.

لا أنسى شعوري بالفخر وبهجتي وأنا في مقتبل العمر عندما كان يصلني صوته وهو ينادي للصلاة من فوق مئذنة مسجد قريتنا، كان لصوته رنين عذب يكاد يوقظ القلوب الغافلة ونغمة محببة تميزه عن أصوات باقي المؤذنين.
أحياناً كنت أستيقظ مبكرًا على نغمات صوته وهو يرتل القرآن أو يردد أدعية الصباح، حينها كنت أشعر بالأنس وبالإيمان يغمرني..

قبل أكثر من ربع قرن وقبل ظهور الفضائيات، كانت مواعيد نشرات أخبار إذاعة بي بي سي العربية ومونت كارلو من الطقوس الثابتة في يومه.. وعندما زرت لندن أوصاني بزيارة مبنى بوش هاوس، وبعد عودتي كان يستمع إلى حكاياتي عن إذاعته المفضلة بشغف وترقب.

الاعتدال والبساطة كانت علامات بارزة في تفاصيل يومه الذي يبدأ مع صلاة الفجر وينتهي عقب صلاة العشاء، إلا في حالات طارئة، فقد كان مقتنعًا بأن الله يوزع الأرزاق مبكرًا، ومن يحرص على البكور يكون أوسع رزقًا.. لا أذكر أنه أدمن أو اعتاد على تعاطي أي شيء باستثناء الشاي مشروبه الوحيد.

رغم تعليمه المحدود، إلا أنه كان أشبه بموسوعة سياسية وعلمية ودينية متنوعة، كان محبًا للعلم، يقطع الأميال ويتكبد المعاناة ليتابع فعاليات معرض الكتاب، وكان متابعًا لكل جديد في عالم التكنولوجيا، وكباقي قدماء المصريين سجل ودون كل أنشطته المهم منها وغير المهم، كان له يوميات ودفاتر يكتب فيها كل ما يدور حوله من أحداث.

اعتاد أن يطلب مني ثلاث أجندات مطلع كل عام.. الأولى يخصصها لرصد أهم أحداث العالم السياسية أذكر منها خطاب تأميم قناة السويس إلى انهيار سور برلين ثم زيارة السادات للقدس. الأجندة الثانية يخصصها للأحداث المنزلية من صادر ووارد ومصاريف البيت و«كسوة» الأولاد السنوية، أما الثالثة كانت مخصصة لرصد وتسجيل الأحداث المحلية في محيط القرية من وفيات وأزمات ومشاكل.

كان يحرص على اصطحابي معه في كل مكان وأحيانًا كنت أشعر بالضيق والحزن لأن صحبته كانت تضع كل تصرفاتي تحت المجهر، وأكون عرضه للوم والانتقاد على بعض سلوكياتي الطائشة، كما كانت صحبته تحرمني أيضًا من اللعب ومرافقة أقراني..

الانضباط والالتزام اكتسبهما من الحياة العسكرية القاسية والطويلة، فقد قضى نحو عشر سنوات بالقوات المسلحة المصرية كمجند في أعقاب هزيمة 1967 حيث شارك في حرب الاستنزاف، وعاش خلالها أيامًا صعبة حرمته من رؤيتي بعد الولادة إلى أن صار عمري ستة أشهر، لأن حبه للجندية وإخلاصه لوطنه ورغبته في التضحية من أجل دحر المحتل الإسرائيلي وضعه على رأس كتيبته.

صلابته في الشدائد تكاد تقهر الجبال، ومواجهته للأزمات نموذج فريد يندر تكراره، وتجاربه حكايات تروى، فلم أره يبكي يومًا سوى بعد فقدان أمي وشقيقتي، ومع ذلك كان بكاؤه مجرد دموع تنهمر في صمت يعكس ما بداخله من براكين الحزن الدفين.

لا أذكر له أن شكا من المرض، واقتصرت زياراته للمستشفيات لعيادة المرضى من الأقارب والأهل، فلم يغب يومًا عن زيارة مريض يعرفه أو لا يعرفه، كما لم يفته سرادق عزاء قريب أو بعيد ولا مناسبة سعيدة ولا حزينة في محيط قريتنا، بعض أصدقائي كانوا يسخرون من حرصه على زيارة كل بيوت القرية في الأعياد، فقد كان برنامجه في ذلك اليوم يبدأ بعد صلاة العيد مباشرة، ويقسم زياراته إلى ثلاثة أقسام الأول لمن فقدوا عزيزًا عليهم، والثاني لمن تزوجوا حديثًا والأخير للجيران والأقارب.

كنا لا نراه في يوم العيد سوى مع قرب غياب الشمس متعبًا ومبتسمًا لإتمام«مهمته» بسلام، حيث كان برنامجه يشمل أحيانًا زيارات خارج نطاق قريتنا ليمتد إلى قرى مجاورة.

تأثرت كثيرًا ببساطته وبشاشته، ووسطيته السهلة التي كانت تقترب من الزهد والتصوف، فقد كان متدينًا بلا مغالاة، محبًا للحياة بلا تفريط أو مبالغة.

يعتصرني الألم كلما حققت إنجازًا في حياتي المهنية أو الشخصية، لشعوري أنه لن يشاركني الإحساس بهذا النجاح، فلا طعم لأي تقدم لا يباركه، كما يظل كل إنجاز منقوصا، غيرَ مكتمل طالما لم يشاركني فيه، فقد تعودت على تشجيعه ودفعي الدائم على بذل المزيد من الجهد والإتقان في العمل.

انتابتني هذه الخواطر في ذكرى وفاة والدي- رحمه الله- الذي رحل عن عالمنا في مثل هذه الأيام من العام الماضي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات