اللاءات العربية الثلاث !

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

هل تألّمتم وتأمَلتم مثلي في ملامح ومفردات وطريقة القادة والملوك والزعماء العرب في نطق الكلمات خلال مهرجان الخطابة للجميع أثناء القمة العربية الأخيرة، التي عقدت بمدينة شرم الشيخ؟

لا شك أن القمة تميزت بالمرونة لدرجة يمكن معها قراءتها بأكثر من طريقة.. المتفائلون يرونها نجحت نجاحًا مدهشًا، وحققت ما لا يمكن توقعه وهو مشاركة نحو 15 ملكًا وأميرًا ورئيسًا عربيًا، وهو رقم كبير مقارنة بالقمم السابقة.

أصحاب هذا الرأي ينظرون بإيجابية أيضًا للقاء المجاملة الذي جرى بين الرئيس المصري وأمير قطر(الشاب) في استراحة مطار شرم الشيخ باعتباره إنجازًا «تاريخيًا» على طريق المصالحة «الشائك» بين البلدين، إلى جانب انتزاع مصر للموافقة الجماعية على تشكيل قوة تدخل سريع كونه نصرًا لم يكن ليحدث من قبل لولا إقرار القادة العرب بأن هناك «مخاطر» جسيمة تحيط بالأمة!

يبدو جليًا أن التغيير الذي لمسناه في شرم الشيخ كان في الوجوه أكثر منه في العقول أو التوجهات

أمّا المتشائمون فيرون أنّ القمة تلقّت صفعة قوية ومتعمدة من بعض الدول العربية لأسباب غير مفهومة، عندما أصرت دول الخليج على بدء عملية «عاصفة الحزم» ضد المتمردين الحوثيين في اليمن قبل انعقادها بساعات قليلة، كما أن وصول بعض القادة إلى شرم الشيخ قبل دقائق من بدء أعمال القمة ومغادرتها بعد دقائق من الانتهاء منها، وكأنها رسالة لشعوبهم، وهو ما اعتبر أيضًا أمرًا مثيرًا للدهشة!

هؤلاء يرون أيضًا أن قمة شرم الشيخ غابت عنها الرؤية الجادة للأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، وكانت فرصة انتهزها «الزعماء» لتسويق توجهاتهم الأيديولوجية!

بدوري لاحظت أن هذه القمة تنضم إلى طابور القمم العربية السابقة، باعتبارها منصة لإطلاق الكلمات الرنانة لا الأفكار الجريئة، ربما اختلفت عن سابقتها بغياب بعض الوجوه المميزة، أمثال القذافي ومبارك والأسد وبن على وعلي عبدالله صالح.. هؤلاء جرى استبدالهم بوجوه جديدة نزلت الملعب العربي تختبر نفسها لأول مرة على طريقة مباريات كرة القدم.

يبدو جليًا أن التغيير الذي لمسناه في شرم الشيخ كان في الوجوه أكثر منه في العقول أو التوجهات.. تقريبًا نفس الأفكار التقليدية، والخطب الجوفاء، بل لا أبالغ إذا قلت إنها نفس المفردات التي سأم المواطن العربي من تكرارها على مدي 70 عامًا هي عمر الجامعة.

لاحظت أيضًا أن أغلب قضايا القمة شهدت تباينًا واسعًا بين القادة العرب بدءًا من قوة التدخل السريع، إلى عاصفة الحزم، مرورًا بالسوق العربية المشتركة وتطوير ميثاق الجامعة العربية وتوسيع عضويتها.. كلها أفكار مضى على طرحها عقود طويلة ولا تزال حبيسة الأدراج ولا يوجد توافق حولها.

المفارقة أن سورية غابت عن القمتين الشهيرتين «الخرطوم وشرم الشيخ»

وعلى غرار قمة الخرطوم الشهيرة التي استضافتها السودان في أعقاب هزيمة العرب العام 1967 والتي اشتهرت عبر التاريخ بقمة اللاءات الثلاث، وهي لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني، فإن لاءاتٍ ثلاثاً لم يختلفوا حولها أبدًا منذ إنشاء الجامعة «لا للديمقراطية - لا للتداول السلمي للسلطة، وأخيرًا لا لاحترام حقوق الإنسان»، وكالمعتاد مضى القادة العرب في القمة الأخيرة في السير على طريق الاستبداد السياسي، غير مدركين للفارق الزمني بين قمة الخرطوم وشرم الشيخ وغير معترفين بأن مياهًا كثيرة جرت بين التاريخين، وأن تغييرًا كبيرًا طرأ على الإنسان العربي خلال تلك العقود، فأصبح العربي الجديد أكثر تمردًا وتطلعًا لمزيد من الحرية والعدالة والكرامة.

المفارقة أن سورية غابت عن القمتين الشهيرتين «الخرطوم وشرم الشيخ»، حيث جاء الغياب الأول نتيجة رفض اقتراح رئيسها آنذاك نور الدين الأتاسي بشن حرب شعبية ضد العدو الصهيوني!.. في المقابل فإن العرب هم الذين غيبوا الرئيس السوري الحالي بشار الأسد عن شرم الشيخ، بعد أن جمدت الجامعة عضوية بلاده نتيجة القمع الوحشي لثورة السوريين!

أتصور أن أحوال العرب ستبقى هكذا بلا تغيير حتى يتصالح الحكام والشعوب، ويتخلى الحكام عن أبدية الحكم ويؤمنوا بأن الحرية والديمقراطية هي الطريق الآمن نحو المستقبل.. متي يحدث ذلك ؟ الله أعلم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات