تسأل عما تفعله الحرب؟

سعاد سالم |
سعاد سالم

"إذا لم تحول عدوك المنهزم إلى صديق فأنت لم تنتصر في الحرب ." إريك هوفر*

كنت واقفة مع شقيقي باسم في شرفة بيتنا بشارع الجمهورية في ليل رمضان 2011. بدا الشارع الرئيس الذي تطل عليه الشرفة خاليا تقريبا وتحت أعمدة الضوء الأصفر تمر بين فينة وأخرى سيارات مسرعة في الاتجاهين. لفتت نظرنا سيارة تويوتا مثبت عليها رشاش.. يقف جندي أو متطوع، لن نعرف أبدا، بلياس عسكري زيتوني وفي(كابينة) السيارة اثنان لم نتبينهما. مضت مسرعة في اتجاه شارع الزاوية، لا ندري وجهتها بالتأكيد، ولكن بعد أكثر من ساعة ونصف..على الجهة الثانية من الرئيسي ذاته مرت تحت نظرنا نفس السيارة المحملة بالرشاش.

كان الدم يلطخ ظهر التويوتا ولا أثر للذي كان واقفا خلف الرشاش.. نظرنا إلى بعضنا.. ولم نقل شيئا..غاض الألم عميقا في عيني أخي..وغاص قلبي.. كنا نعرف أنهم خصوم، ولكن للحظة قاسية فهمنا ماذا يعني أن يموت ليبي مثلك وأن يكون القاتل من صفّك.. شيء ما لايجعلك تفرح.. ولايمكنك بحال أن تنتظر من دون قلق إلى أين ستسير الأمور.. لذا بعدما انهار معسكر باب العزيزية.. ترك بعض الجيران بيوتهم بالبيع السريع وانتقلوا إلى مناطق بعيدة، أو هكذا أشيع.. خوفا من الانتقام.. وبعضهم صارت مزرعته التي كانت لتغيير الجو في العطل ونهايات الأسبوع ملاذا دائما وآمنا على مايرجون ولو مؤقتا.. والمحظوظون بسط نصفهم الثائر كما عرفّوا وقتها حمايتهم فوقهم على طريقة أقدم التجمعات البدائية.

أما البعض الذي ظل على الحياد بالغ في إظهار حماسه للرايات الجديدة والأغاني الجديدة التي ظلت مواكبها تمر بلا كلل تحت شرفتنا.. لكن الحرب لم تنتهِ كما ظن الكثير ومنهم أنا وأخي اللذين تمسكنا بحسن النوايا. بل بدأت فعليا مباشرة بعد ابتهالنا.. وبصورة خسيسة.

توغلنا أكثر في حكمة تقول: اصنعوا من رفاق النصر أعداءا أيضا

كانت الخطوة الأولى والأهم من خطاب التحرير الذي فتح باب الخلافة قبل ظهور البغدادي..هي مادعت إليه منظمات المجتمع المدني وسميت بموائد المصالحة الوطنية التي ركلها مفتي الديار بفتوى أفسدت محتواها وسممته وصدحت من ورائه الجماهير، وما أعرضها وما أفظع صوتها، وهي تهتف بكل الطرق(مش وقتها مش وقتها..ومش وقتها) بالثلاثة..واندلعت الاعتداءات بصورها المرعبة من خطف وتعذيب وقتل وحرق وتهديم وتشريد بوتيرة مرتفعة بعد هذه التصريحات المخجلة حول تأجيل كل ما يلم الشمل ويقلل عذابات النازحين التي بدأت بتاورغاء مرورا بالقواليش والمشاشية ولم تنته بجيران رحلوا تحت جنح الصمت مرورا ببني وليد ولاتتوقف حتى الآن في ورشفانة.. وتلك الحرب التي انزلقنا إليها لم نكتفِ فيها بترك عبارة إريك هوفر عن تحويل المهزوم إلى صديق بل توغلنا أكثر في حكمة تقول: اصنعوا من رفاق النصر أعداءا أيضا.. وهكذا انخرطت المدن المنتصرة في تأكيد تداعيات الحرب من تفتت وتعرية وحت ثم هناك شيء أيضا ونحن في غمار حرب هنا وحرب هناك.. رجعنا لركل مبادرات بعضنا الذين يواصلون ما كانوا يتوقون إليه..وهو الحياة.. وهذا ليس معيبا إلا في البلاد التي تعتقد أن البطولة هي ساحات الوغى وفي التراشق بالرصاص.. وبغض الطرف عن أمر البطولات بعامته.. فإن للنجاة قراءاتٍ أخرى حين يعني ذلك ليس فقط أن لايكون لك قبر ولكن أن لا يتحول قلبك إلى قبر لايخصك وحسب بل توسّعه لتجعله مقبرة جماعية لكل تلك الفرص التي يخلقها الناجون..

لذا أعتقد أن الحرب وإن أجمعت على صورة واحدة للخراب والدمار والفقر والجريمة وكل أشكال البشاعات التي تنمو في محيطها تماما مثلها مثل الأوبئة والموت ولأن الكثير من المسلحين تدعمهم النوايا المسلحة للأكثرية من هذا الشعب العظيم يجب أن نتوقع أن تُتهم كل الفئات والمدن والأشخاص الذين ينضمون لمبدأ"الحرب ليست قراري ولا قدري" بتنظيم مهرجانات الثقافة والفنون والمسرح والموسيقى والإصرار على نهوض الإنسان فينا من تحت الركام والدم والكراهية أن تُتَهم بالخيانة وأن يوصفوا بالصعاليك والكثير من مصطلحات الفحولة الموهومة التي تحط من قيمة المدنية وتشير بوضوح إلى ما يمكن للحرب أن تفعله في نفوس بعضنا.. الذي استمر في لوك اسطوانته المعهودة(مش وقته).. ولكن هذه المرة سنقول لهم (وقته ونص).. فعلت ذلك روسيا و آيرلندا والصين واليونان وكوريا وأندونيسيا وفييتنام.. لن تهمنا النداءات البدائية وطبول القبيلة.. ونحيب البسوس وعلى طريقة سلمية عبدالسلام المسماري مرورا بسلوى بوقعقيص ووصولا إلى المغيب عبدالمعز بانون..لابد من ليبيا وإن طال النضال بالكلمة وبالثقافة وبالفنون وبالرسم وبالدراسة وبالمهرجانات.

*(كاتب اجتماعي أمريكي)

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات