المسرح.. جاهز!!

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

قبل الغزو الأميركي للعراق، كنت أحضر أمسية ثقافية في الجامعة الأميركية بالقاهرة.. بعد انتهاء الأمسية لمحتُ الكاتبَ الكبير محمد حسنين هيكل يغادر القاعة، ركضت خلفه وقبل أنْ يستقل سيارته سألته: هل تعتقد أنَّ الحرب ستندلع وسيتم احتلال العراق فعلًا؟.. نظر إليّ الأستاذ ونصف جسده خارج السيارة والنصف الآخر داخلها، وقال وهو يحاول التخفيف من حيرتي.. المسرح أصبح جاهزًا ولم يبق سوى إعلان إشارة بدء انطلاق المَدافع وأظنُّها ستنطلق في أية لحظة!

ماذا حدث؟.. في اليوم التالي مباشرة قصفت الطائرات والبوارج الأميركية العراق من كل ناحية، وزحفت القوات البرِّية صوب بغداد، مصطحبة معها العملاء والخونة الذين دخلوا بغداد على ظَهرِ الدبابات الأميركية في مشهد مؤلم لن يغفره التاريخ للمحتل الأميركي ولا للعملاء المأجورين الذين باعوا أوطانهم بدولارات معدودة!

معارك السعودية مع إيران في سورية أو حتى في العراق كانت تتميَّز في السابق بأنَّ كل طرف يحارب خصمه بطريقة غير مباشرة

اليوم في اليمن.. يتكرَّر المشهدُ، لكن بصورة مختلفة، ففي المشهد الأول كان الخطر غربيًّا أميركيًّا وكان الهدف إسقاط صدام حسين، أقوى قائد عربي في ذلك الوقت، واستنزاف وتدمير عاصمة الرشيد، بوابة العرب الشرقية.
أما المشهد الحالي، ففيه الخطر شرقي إيراني، والهدف هو تمزيق اليمن، بوابة العرب الجنوبية، والانتقام من السعودية ودول الخليج عقابًا لها على استنزافها و«مرمطتها» الماردَ الإيراني في الوحل السوري طوال الأعوام الأربعة الماضية.

إذن.. هي الحرب تتشكَّل على أرض اليمن بكل ملامحها المرعبة، بعد أنْ اقتربت ساعة المواجهة المباشرة بين الرياض وطهران.. نعم هناك حربٌ غير معلَنة ظلت قائمة بين الطرفين منذ عقود طويلة، وهناك أيضًا حربٌ بالوكالة تدور رحاها حتى الآن على الأراضي السورية منذ أربعة أعوام.. في تلك الفترة لم تكن السعودية وحدها التي سعت لإسقاط ديكتاتور سورية التابع لإيران، بل كانت هناك قطر وتركيا وغيرهما من الأطراف التي تحمَّست لإزاحة الطاغية، بشار الأسد، عن حكم سورية ليس حبًّا في السوريين بقدر ما هو كرهٌ وانتقامٌ من الإيرانيين!

معارك السعودية مع إيران في سورية أو حتى في العراق كانت تتميَّز في السابق بأنَّ كل طرف يحارب خصمه بطريقة غير مباشرة، مستخدمين سلاح المال والمذهب عبر مقاتلين بالإنابة.. الأهم أنَّ ساحة المعارك كانت بعيدة جغرافيًّا عن حدودهما، رَاهَنَ كل منهما على نظرية«النَفَس الطويل».

الآن.. إيران اقتربت بقوة من خصمها اللدود، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من حدوده الجنوبية، في ضوء التقدُّم الذي أحرزته جماعة أنصار الله الحوثية وسيطرتها على مقدرات العاصمة اليمنية وإحكام قبضتها على أغلب قواعد الجيش اليمني وشروعهم في نقل مخزون الصواريخ إلى صعدة، صوب الحدود السعودية بمساعدة علنية وسرِّية من عناصر الحرس الثوري الإيراني!!

الحوثيون باتوا يهددون السعودية علنًا، مستندين إلى الحليف الإيراني الذي ظلَّ ينتظر فرصة مُنازَلة غريمه السعودي على أرضه

لم يجد العاهل السعودي، الملك سلمان، بدًّا من البحث شرقًا وغربًا عن حلفاء لتشكيل جبهة سنِّيَّة تكون جاهزة لمواجهة الزحف الإيراني من جهة اليمن.. هذا التحالف ربما لم تتبلور ملامحه بعد، لأنَّ التنافر بين أطرافه كفيل بنسف أي أمل في قيام تحالف قوي يمكن الاعتماد عليه في مثل هذه الظروف، خاصة بعد أنْ ألقت«تركيا أردوغان» بكامل ثقلها على جماعة الإخوان المسلمين وجاهرت بعدائها مع مصر، نفس الشيء فعلته قطر مع إضافة أنَّها حليفٌ غير مفيد في مثل هذه الأزمات!!.. حيرة المملكة دفعتها إلى التطلع بعيدًا نحو الصديق الباكستاني، أملًا في انضمامه للحلف السُّـنِّـي الذي تحاول تشكيله في مواجهة الخطر الإيراني المحتمل!

الحوثيون باتوا يهددون السعودية علنًا، مستندين إلى الحليف الإيراني الذي ظلَّ ينتظر فرصة مُنازَلة غريمه السعودي على أرضه ورد الهزيمة التي مني بها في سورية.

السعودية من جانبها تتحرَّك سياسيًّا من قمة شرم الشيخ إلى قمة الرياض ثم الدوحة بهدف توحيد الصف الخليجي والعربي بكل تناقضاته إنْ أمكن، في محاولة لمحاصرة النفوذ الإيراني المتنامي داخل البيت اليمني المهلهل!
من بعيد تقف الولايات المتحدة تراقب بحذر قرب اكتمال سيناريو اشتعال أبشع حرب طائفية بين المسلمين في العصر الحديث، بعد أنْ أعدَّت المسرح اليمني لعرض فصولها الدموية!.

أتذكر الآن مقولة هيكل إنَّ المسرح أصبح جاهزًا ولم يبق سوى إطلاق إشارة بدء المعارك.. فهل يمكن أنْ أكرِّر سؤالي لـ«الأستاذ» حول احتمالات نشوب الحرب؟ وإذا اشتعلت المعارك ما موقف مصر مما يُجرى، أو ما سيُجرى؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات