ماتِعرف نِحنّا من نِحنّا؟ تشرفنّا يا سي..

سعاد سالم |
سعاد سالم

وما عليَّ إذا ما قلتُ معتقدي؟ دع الجهول يظن الحق عدوانا!
ابن عربي

عشرة أيام من شهر أبريل 2004 في لبنان. تلك أول مشاركة لي ضمن نشاط تقوم به منظمات أهلية. كان مفهوما غامضا حتى ذلك الحين، مثل دراسة الكمبيوتر نظريا.. فليبيا حتى ذالكم العام.. لا تسمح بتداول مثل هذه المفردات"مجتمع مدني" فالأفراد دائما محل شبهة وخيانة مالم يكونوا دمىً حكومية أو من العائلة البيولوجية أو القبلية والثورية.. ولم تنضج، حتى على سبيل التقليد، تجارب حقيقية حول مفهوم المبادرة.

فصندوق الرمال كان مغلقا تماما.. والسَفر، حسب تجربتي في مؤسسة الصحافة بطرابلس وقتها، يتم وفق لعبة سلطة المؤسسة التي لا تراني وأمثالي إلا كجمهور موظفين لاوزن لهم.. لكن بصورة ما، أُسندها للمشيئة، دعيت بشكل شخصي. لذا تخطّت الدعوة كل التعقيدات الأمنية ووصلتني ووصلتُ بدوري إلى بيروت.

كان الحدث ورشة عمل لمناهضة العنف ضد المرأة. منظمات عربية من كل مكان وجمعيات حقوقية، و أنا الليبية الوحيدة كأني من كوكب ثانٍ بزادي القليل من قناعاتي الشخصية بالخصوص وبضعة مقالات نبهني صاحب الدعوة لحملها معي وهي ما أتصور أنها جعلته يذكرني عند قوم بيروت بخير.. هناك كانت ورش حقيقية.. ومدونات أحوال شخصية تعمل عليها هذه الجمعيات من مصر وتونس والجزائر والمغرب والبحرين واليمن والسودان إضافة للبلد المنظّم لبنان.

ما هناك في الجوار والبعيد خلايا تعمل بدأب النمل

حشد من رجال ونساء وعمل إعلامي كبير مع حضور منظمة العفو الدولية، فرع بيروت، ومواضيع كبيرة كانوا قطعوا شوطا في جعلها قضايا ضمير وطني وتنميته الاجتماعية ما أسفر عنه تغيرات في قانون الأحوال الشخصية في المغرب ومصر لاحقا ومؤخرا في الجزائر في حين يعتقد البعض أن الحكومات فجأة تقرر تغيير أو تعديل القوانين الخاصة بالنساء، هذا حدث فقط في ليبيا.. أما هناك في الجوار والبعيد خلايا تعمل بدأب النمل.. وفي الوقت نفسه كان أول هروب لي من(الحِبّيلة)* إلى فسحة حرية خالية تماما من أي أثر لوفود ليبية ملغومة.. وهناك فتحت صندوق العجائب أمام جمع المشاركين المتعطشين لمعرفة ماذا يحدث في الصحراء المجهولة ليبيا، لن تقنعهم بغير الصدق.. وغير أنها رحلة أنضجتني على الصعيد الحقوقي والإنساني كانت ما يمكن تسميته بمنعطف.. هي أيضا كانت اختبارا لتجربة مواجهة المنتقدين لبلادي وأهلها، أربكتني في البداية ولكنني بشكل ما تخطيت خجلي وأخبرتهم بما نكابده وأننا نشبههم وقلت ما جعلهم يعرفون بأن هذه الرقعة هي منطقة أخرى تشابه بلدانهم ليست أكثر من مزرعة لعائلة حاكمة وأننا مثلهم نعرف هذا على الأقل..

ربما مفهوم الحرية عندي صار له طعم ولون وصورة منذ تلك اللحظة لأنه حينما يُطرح سؤال وجودي كمثل الذي تعرضت له في بيروت يشبه السؤال من أنتم.. لم أقل" ماتعرفوا نحنا من نحنا".. فالليبيون الذين مازالوا يعتقدون أن مواجهة النقد أو الأسئلة الشائكة هو عدوان سافر يستلزم أن نكون فرسانا ومحاربين ومجاهدين نربط ركبنا ونقول:"مرحب بالجنة جت تدّنى" حتى نستحق صك الوطنية هم واهمون ولايملكون في الحقيقة غير أساطير البطولات التي يسردونها عن الميادين التي لم ترتبط في هذه الذهنية بغير عربات الرشاش والمدافع، لا بالسلمية ولا بالعصيان ولا بالاحتجاجات باليافطات، لهذا أعتقد جازمة من أن مسار فبراير كان ليتغير لو أننا كشعب عرف كيف يرد على سؤال القذافي من أنتم.. بغير.. مفهوم "ماتعرف نحنّا من نحنا " أعني كثقافة ولا أعني القصيدة والشاعر.. إنها في تصوري أول إجابة خاطئة.. دفعت بالعقل الجمعي إلى الصراخ وإطلاق النار والكثير من السعار والغضب عوضا عن وضع خطة حياة لما بعد معارك لم تخمد حتى الآن بسبب هذا الاحتفاء الغريب بالحرب.. ولكُنّا أجدنا الإجابة فيما لو استطعنا تحسين مرتبة ليبيا في التقارير الدولية التي اعتمدنا عليها لمّا خرجنا على القذافي وبالانتصار على العصبية والجهوية التي ثبتها عناد وعنجهية "نحنا من نحنا".. فالعالم مازال يقول لنا.. تكلّموا لنراكم.. لكننا مشغولون بالتقاتل والتفاخر والتباغض والتراشق بالتخوين.. ومتأكدون من أن كل العالم ضدنا لأنه"مايِعرف نِحنا من نِحنا".

* الإسم الذي يطلق في غرب ليبيا على سياج الأسلاك الشائكة. (المحرر).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات