الصحافة.. الجريحة!

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

لا أعرف مَن العبقري الذي أطلق على الصحافة مصطلح «مهنة البحث عن المتاعب»؟.. هذا المصطلح الذكي حمَّال أوجه، فالمنحازون والمحبون للصحافة يرونها من أكثر المهن المهمة لأي مجتمع يسعى للنهوض ويبحث عن الشفافية وينشد العدالة ويطوْق للحرية.

أما أعداؤها فبسهولة يمكن أنْ يعتبروها مهنة سيئة السمعة، لا تجلب سوى النكد والمتاعب للمجتمعات، كما ينظرون إليها باعتبارها سببًا في إثارة الأحقاد ونشر الفتن وجلب المشاكل للشعوب القانعة!.

من حُسن حظنا أنَّ المتربِّصين بالصحافة عبر العصور كانوا أقل من أنصارها، فمَن يطلع على تاريخ هذه المهنة المستحدثة في عالمنا العربي سيجد أنَّ السلطة كانت دائماً عدوها الأول، ومنذ الحكم العثماني وهو العصر الذي شهد الميلاد الأول للصحافة العربية في منطقة الشام، وحتى الآن ظلت الصحافة هي «البعبع» الذي يقلق الملوك والسلاطين ويزعج الزعماء والرؤساء مهما اختلفت توجهاتهم وانتماءاتهم.
أكتب عن الصحافة اليوم، في مناسبة الانتخابات الباهتة الأخيرة لنقابة الصحفيين المصريين، أقدم النقابات الصحفية في الوطن العربي، حيث فقدت الانتخابات بريقها وحيويتها بعد أنْ تَرَاجَعَ تأثير الصحافة في المجتمع وتفرَّق العاملون في بلاطها بين الفضائيات يبيعون بضاعتهم «الرديئة» لمَن يدفع أكثر من رجال أعمال وأثرياء العهد البائد.!

بحكم عملي أعرف أغلب الزملاء المرشَّحين، قسمٌ منهم عملت معه بشكل مباشر، والقسم الآخر إما تابعت مسيرته أو وصلتني أخباره عبر «ركن النميمة» الكائن في الطابق الثامن بمقرِّ النقابة.

أزعجني أنَّ السمة المشتركة بين المرشَّحين هي غياب البرامج الواضحة واللعب على وتر الأوضاع الاقتصادية المتدهورة لأغلب الأعضاء واختفاء الكوادر وغياب القيادات الرائدة

أزعجني أنَّ السمة المشتركة بين المرشَّحين هي غياب البرامج الواضحة واللعب على وتر الأوضاع الاقتصادية المتدهورة لأغلب الأعضاء واختفاء الكوادر وغياب القيادات الرائدة. أشعر بأنَّ انتخابات الصحفيين هذه المرة بلا روح وبلا حرارة، تفتقر إلى الإثارة والحيوية والأمل في انعاش تلك المؤسسة العريقة واستعادة دورها الوطني المنوط بها منذ بدايتها، ربما السبب يرجع إلى أنَّ نجوم هذه الدورة احترفوا التربيطات قبل احتراف المهنة نفسها، وتدرَّب أغلبهم على المعارك الانتخابية أكثر من التدريب على قواعد وأصول المهنة في صالات التحرير.

قبل أيام ذكَّرني أحد الزملاء بصورة اُلتُقطت لنا أمام مجلس الشعب قبل نحو 20 عامًا.. كانت المناسبة هي احتجاجٌ كبيرٌ نظَّمه الصحفيون رفضًا للقانون 93 سيئ السمعة الذي حاول مبارك من خلاله تخويف أصحاب القلم، فكان رد فعل الجميع هو الاحتجاج والرفض بطريقة سلمية متحضِّرة.

اللافت أنَّ الصورة الشهيرة كانت تضم نجوم الصحافة، منهم الراحلان كامل زهيري وسعد هجرس، إلى جانب عشرات من الأساتذة مثل محمود عوض رحمه الله وعادل حمودة أمدَّ الله في عمره.

وعطفًا على الانتخابات وكواليسها، اسمحوا لي أن أروي لكم واقعة لها دلالة بانتخابات النقابة والمتنافسين فيها، فقد كانت تربطني علاقة صداقة وود بزميل مشهور، رغم الفارق العمري والمهني بيننا، كان يحرص دائمًا على مجاملتي في الأعياد والمناسبات، وفي إحدى الدورات قرَّر هذا الزميل أنْ يترشَّح على منصب النقيب.. كان معروفًا في ذلك الوقت للكثيرين بوجهه المألوف والحنجرة الخشنة والصوت الجهوري الذي مازال يحمل بصمات «الصعيد الجواني» ويتردَّد صداه بكثافة على فضائيات رجال الأعمال!.

قبل ساعات من تلك الانتخابات دار حوارٌ بيني وبين زميلة مرموقة حاولت إقناعي بالتصويت له، فما كان مني سوى الرفض وحاولت إقناعها بالعكس، وقلت لها: «لو فاز هذا الزميل سوف أمزِّق بطاقة النقابة»، حينها لم أكن أعلم المصالح التي تربط زميلتي بالمرشَّح الذي نقلت إليه مضمون ما جري بيننا.

مرَّت ساعات يوم التصويت طويلة مملة، والسبب يرجع إلى أنَّ منافسه لم يكن سوى بوق من أبواق مبارك، مثله تمامًا، لكن الأول نفاقه وتدليسه كان على المكشوف، بينما صاحبنا كان من الأبواق المستترة التي تتخفى في قناع المعارضة الجوفاء.

تنفَّست الصعداء وسقط المعارض المزيَّف بصورة فاضحة.. بعدها توقفت مجاملاته وجفَّت رسائله المزعجة في المناسبات.

بعد نجاح الثورة والإطاحة بمبارك ونظامه لم يسقط صاحبنا معه، بل بسرعة الصاروخ غيَّر جلده وحوَّل الدفة من مبارك إلى المجلس العسكري ثم الإخوان، وأخيرًا يروج بين الجميع أنَّه كان وراء إزاحتهم من الحكم!! حمدت الله كثيرًا أنني لم أجد اسمه هذه المرة بين المرشَّحين.

ما أردت أنْ أقوله إنَّ مهنة البحث عن المتاعب عندما كان لها أنيابٌ وأظافر كانت ترعب أنظمة الحكم الفاسدة، فتزداد أهميتها ويتضاعف الاهتمام بها وتعمل لها السلطة ألف حساب، فكان يظهر بريق المهنة وقوتها في الانتخابات، على عكس ما يجري اليوم، فلا بريق للمرشحين ولا أهمية للنقابة بعد أنْ أصبحت الصحافة مهنة جريحة مستأنسة، بلا أظافر ولا أنياب.. رحمة الله على عمالقة المهنة ونجوم النقابة من حافظ محمود وكامل زهيري إلى محمود عوض وسلامة أحمد سلامة وغيرهم من العمالقة والرواد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات