جنرال الجيش الميت

عمر الكدي |
عمر الكدي

أدى القائد العام للجيش الليبي الفريق أول ركن خليفة حفتر يوم الاثنين الماضي اليمين القانوني أمام مجلس النواب بطبرق، وهي آخر خطوة لتعيينه في منصبه، واضطر مجلس النواب إلى تعديل قانون يسمح بهذا المنصب الذي لم يكن موجودا من قبل، فأعلى منصب عسكري في الجيش الليبي هو رئيس الأركان العامة، وكان المجلس نفسه قد أعاد للخدمة العسكرية عددا من الضباط الليبيين على رأسهم حفتر. في البداية أعلن مجلس النواب والحكومة أن حفتر انضوى تحت رئاسة الأركان، وهو يتلقى الأوامر منها فيما يخص جميع العمليات العسكرية في بنغازي، وفُجَاءةً أصبح حفتر هو الرئيس المباشر لرئيس الأركان اللواء عبد الرزاق الناظوري.

يشبه صعود حفتر قصة الراهب بيتر الناسك الذي كان يطوف أوروبا على حمار، داعيا المسيحيين إلى الحروب الصليبية، فحفتر اتصل بكل الضباط والجنود الذين عرفهم خلال خدمته بالجيش، وجمعهم في المرج والرجمة ليبدأوا الإعداد لتحرير بنغازي، ولا أعتقد أن أحدا غيره كان يستطيع القيام بهذه المهمة، فهو منذ أسره في تشاد يحاول القيام بعمل عسكري مشرف يختتم به مسيرته العسكرية، ولم يجد العسكريون في بنغازي والمنطقة الشرقية أي بديل آخر سوى الانضمام إلى حفتر، فعلى الأقل معه سيقتلون في ساحة الوغى وليس اغتيالا في شوارع بنغازي، ولكن اليوم يشبه صعودُ حفتر صعودَ بنيتو موسوليني إلى السلطة بعد أن أسس وحدات الكفاح التي كانت النواة الأولى لحزبه، ثم زحف في مسيرة حاشدة من ميلانو إلى روما ليتولى السلطة دون منازع.

لا يخفي حفتر إعجابه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن خلال هذا الإعجاب يتضح أن حفتر اعتمد السيناريو المصري للخروج بليبيا من أزمتها

لا يخفي حفتر إعجابه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن خلال هذا الإعجاب يتضح أن حفتر اعتمد السيناريو المصري للخروج بليبيا من أزمتها، واستبعد بالكامل السيناريو التونسي. في البداية قال أن هدفه الوحيد هو تحرير بنغازي، وأنه سينهي مسيرته العسكرية بمجرد تحرير المدينة، ويرى البعض أن حفتر اتخذ قرارا بتأجيل تحرير بنغازي حتى يضع رجليه على أول درجات السلم نحو السلطة المطلقة، بينما تنفخ القبائل في جمر طموحاته، حتى تحول نقد حفتر في المنطقة الشرقية إلى ما يشبه معاداة السامية في أوروبا، وذكر لي مصدر مطلع وضابط رفيع في الجيش، أن الثني تعرض لضغوط شديدة بسبب خلافه مع حفتر، لدرجة أن زعماء القبائل أخبروه بأنهم لن يستطيعوا حمايته إذا بقي في البيضاء، وهذه الضغوط أثمرت أخيرا في اجتماع الأبيار، الذي اتخذ فيه قرار تعيين حفتر قائدا للجيش.

فور تعيين حفتر قائدا عاما للجيش الوطني، سيبذل قصارى جهده لتحرير ما تبقى من مدينة بنغازي، وبعد إعلان تحرير المدينة سترتفع شعبيته أكثر، ويتحول إلى مخلص وتبدأ صناعة الدكتاتور مثلما حدث بعد انقلاب القذافي، فتحول ذلك الضابط الخجول إلى أكثر طغاة القرن العشرين غرابة للأطوار.

عادة ما يفضل الناس الأمن على كل شيء آخر، إذا عصفت بهم المحن، وعندها سيبايعون أي شخص يعيد إليهم الأمن والأمان، سواء كان هذا الشخص زعيم طالبان أو زعيم حركة الشباب في الصومال، وتتراجع المطالب الديمقراطية، وبناء دولة المؤسسات والقانون، وحتى الآن نجح حفتر في كل مناوراته السياسية، أكثر من مناوراته العسكرية. فجماعة أنصار الشريعة لا تزال تستعرض قوتها في القوارشة، بينما يتمدد داعش من سرت إلى النوفلية، وحتى يتم إعداد المسرح السياسي للجنرال، تمكن أنصار حفتر في مجلس النواب من إلغاء قانون العزل السياسي الذي يشمله، حتى علق أحد الظرفاء بأن قانون العزل السياسي سن لإبعاد شخص واحد وهو الدكتور محمود جبريل، بينما ألغي القانون المثير للجدل من أجل عودة شخصين هما جبريل وحفتر.

لا يحبذ حفتر منصب رئيس الحكومة، الذي عادة عليه أن يقف في مساءلات طويلة أمام مجلس النواب، وإنما يفضل منصب الرئيس الذي يملك صلاحيات واسعة، وبالتالي فالضغوط ستتزايد على الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور وهي في مدينة البيضاء، وسط قبائل قررت"حفتر أو الموت"، من أجل تبني النظام الرئاسي في الدستور القادم، وليس النظام البرلماني، وسيجد الترهوني وزملاؤه وزميلاته أنفسهم أسرى حمى صعود الجنرال والخروج من متاهته إلى القصر الجمهوري، أما بقية السيناريو فستتكفل به المسيرات المليونية، التي تطالب قائد الجيش بالتدخل وتفوضه إلغاء كل من يقف في طريقه، وعندها سيجمع حفتر بين القوة والسياسة لاحتواء الجميع، ويبدو أنه نجح بالفعل في تمرير مصالحات واتفاقات بين مصراته والزنتان وبعض المناطق الأخرى المتخاصمة، تمهيدا لموافقة غرب البلاد على صعوده السريع.

ثمة فرصة ذهبية أمام حفتر ليكون ديغول ليبيا، وليؤسس الجمهورية الثانية أو المملكة الثانية، إذا عرف كيف يحصن نفسه من إغواء صناعة الدكتاتور التي يجيدها الليبيون بالفطرة

ثمة فرصة ذهبية أمام حفتر ليكون ديغول ليبيا، وليؤسس الجمهورية الثانية أو المملكة الثانية، إذا عرف كيف يحصن نفسه من إغواء صناعة الدكتاتور التي يجيدها الليبيون بالفطرة، وأن يؤسس جيشا محترفا محصنا من الانقلابات العسكرية والتدخل في السياسة، ولكن قبل ذلك عليه أن ينفخ الروح في جيشه الميت فحفتر اليوم يذكرني بالجنرال الذي أوفدته إيطاليا إلى ألبانيا للعودة برفات جنودها الذين قتلوا هناك، كما جاء في رواية"جنرال الجيش الميت" للروائي الألباني إسماعيل كادريه، ففي الحقيقة لم يترك القذافي وراءه أي جيش، والجيش الذي قاده حفتر في تشاد دمر هناك بالكامل، حتى أن مؤسسة غلوبال فاير باور صنفته كثالث أسوأ جيش في العالم بعد جيش الصومال ومالي، وما هؤلاء الذين يقاتلون المتشددين في بنغازي ودرنة إلا بقايا الجيش القديم، قرروا الموت دفاعا عن بيوتهم وحياتهم باستثناء قوات الصاعقة وهي القوة المنظمة الوحيدة التي بقيت من الجيش الميت، ولبناء جيش في دولة ديمقراطية على قائده أن يتحلى بصبر الراهب بيتر الناسك وهو يطوف على حماره بأوروبا، وأن يزهد في السلطة مقابل هدف استراتيجي يخدم بلاده إلى الأبد.

أما إذا رغب في السلطة واستمع للمطبلين من حوله فلن يكون طاغية مثل القذافي، ولن يستطيع بخطاب واحد من زوارة إلغاء جميع مؤسسات الدولة، سيكون نسخة ليبية من بن علي أو علي عبد الله صالح، يستطيع ترويض المؤسسات القائمة بسياسة العصا والجزرة، وسيقنع الغرب والشرق بأنه أنسب المرشحين، فهو من قبيلة الفرجان المحسوبة على الغرب، ولكنه ينتمي إلى بطن من بطون الفرجان التي استوطنت الشرق منذ زمن بعيد، وهو يتحدث اللهجة الشرقاوية وظل عشرين عاما في لانغلي بالولايات المتحدة يعصف به الحنين إلى بنغازي واجدابيا التي ولد بها، وإلى درنة التي درس فيها المرحلة الثانوية وليس إلى طرابلس.

قد تتحرر ليبيا من الإرهاب ليس فقط بجهود حفتر، وإنما أيضا بضغوط من المجتمع الدولي ودول الجوار، ولكنها لن تكون دولة ديمقراطية، وكأن ثورة فبراير خلصتها من طغيان رجل غريب الأطوار، ليحكمها بعده عسكري آخر أقل نزقا، والفرق بينهما أن الأول حكمها وهو في الثامنة والعشرين من عمره، أما الثاني فسيحكمها إذا أتت الرياح بما تشتهي سفنه وهو في الثالثة والسبعين من عمره.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات