نهار.. «خارجي»!

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

لست من أنصار نظرية المؤامرة، ولا من هواة تحويلها إلى شمَّاعة نُعلِّق عليها خيبتَنا وفشلَنا الدائم وتأخرنا المستمر في معالجة قضايانا المصيرية، لكن بعد سلسلة أفلام «الرعب» التي قدَّمها تنظيم «داعش» الإرهابي، وكان آخرها الذبح «الهوليودي» للمصريين الأقباط على شاطئ ليبيا، أجد نفسي مضطرًا إلى التراجع مؤقتًا عن ثوابتي تجاه فكرة «المؤامرة».

بشهادة المتخصصين والخبراء، استخدم صُنَّاع الفيلم كافة عناصر الجذب والتشويق والإثارة، التي تعدُّ من العناصر الأساسية لأفلام هوليود الأميركية الشهيرة.

وبمراجعة عشرات الأفلام التي أنتجها التنظيم الإرهابي بكافة فروعه من سيناء في مصر إلى أدلب وحلب في سورية، والأنبار في العراق وأخيرًا في درنة الليبية، يتبيَّن أنَّ معدات التصوير عالية الجودة تكاد تكون واحدة، وأنَّ المؤثرات الصوتية وطريقة استخدام الصورة تقريبًا متشابهة، كما أنَّ الهدف من وراء بثِّ أفلامهم واحدٌ أيضًا، وهو نشر الرعب والهلع في نفوس المتلقين.

بما أنَّ غالبية التنظيمات الجهادية معروفٌ عنها الفقر في امتلاك التقنيات والكوادر البشرية المدرَّبة على إنتاج وإخراج هذه السلسلة الممتدة من الأفلام المثيرة، فإنَّ المنطق يفرض علينا البحث عمَن يقف وراءهم، يدرِّبهم ويزوِّدهم بالخبرات، فضلًا عن تفاصيل أخرى فنية يعلمها أهل الاختصاص والعاملون في مجال السينما.

أما من حيث الشكل فإنَّ عناصر التنظيم يتميَّزون بطول القامة ويرتدون ملابس وأكسسوارات ثمينة تتبع ماركات أميركية معروفة، إلى جانب تحرُّكهم اللافت بخطى ثابتة أمام «الكاميرات» وطريقة كلامهم المملوءة بالثقة، ناهيك عن عبارة أنَّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بُعث بالسيف!

بشهادة المتخصصين والخبراء، استخدم صُنَّاع الفيلم كافة عناصر الجذب والتشويق والإثارة، التي تعدُّ من العناصر الأساسية لأفلام هوليود الأميركية الشهيرة.

كل هذا يشير إلى أنَّ هؤلاء الأشخاص أقرب إلى ممثلين يؤدون دورًا محددًا ومدروسًا بطريقة جيدة وفقًا لـ «سكربت» معد سلفًا، والدليل على ذلك أيضًا يظهر في استعراضهم واقتيادهم الضحايا بهدوء على شاطئ البحر قبل تنفيذ عملية الذبح، إلى جانب الموسيقى التصويرية المُصاحِبة للمشهد بشكل عام، ثم أخيرًا ماذا تعني مَشاهد اختلاط دماء الضحايا بمياه البحر المتوسط وما تحمله من رسائل سينمائية؟!

يبدو أنَّ كل شيء يقدِّمه تنظيم «داعش» معدٌّ بحِرفية ومهنية غاية في الدقة بدءًا من اختيار وقت التصوير والموقع وأنواع الكاميرات الحديثة، مرورًا بالاستعداد الجيد للعمل في بروفات مسبقة إلى جانب الإخراج المميز والمونتاج الاحترافي الذي اُستُخدمت فيه تقنيات تداخل واستعراض الصور بطريقة ابتكارية، ثم تجهيزها للرفع على موقع «يوتيوب» دون مشاكل في العرض، كل هذا يوحي بأنَّ هناك مَن يقف وراء التنظيم الذي لا يعرف شيئًا عن ثوابت الدين الذي يزعمون الانتماء إليه.

بعيدًا عن الجوانب الفنية، فإنَّ واحدًا من كبار حاخامات إسرائيل بَارَكَ تنظيم «داعش» قبل أيام خلال صلاته في القدس، معتبرًا أنَّه «منحة من السماء لتدمير أعداء اليهود».. والسؤال: لماذا لم يطلق التنظيم «الخطير» الموجود في سيناء المصرية رصاصة واحدة على جنود إسرائيل الجالسين في أبراج لا تبعد عنهم سوى أمتار؟!

في مقابل ذلك يتباهى التنظيم الإرهابي بعملياته الجبانة ضد الجنود المصريين «المسلمين» والشاحنات المفخَّخة تُمزِّق أجسادهم وهم نائمون!.

نلاحظ أيضًا أنَّ إسرائيل لم تشارك في ما يطلق عليه التحالف الدولي لمحاربة «داعش»!.. ثم: هل الولايات المتحدة وحلفاؤها بما لديهم من أقمار صناعية وجواسيس وعملاء، عاجزون عن محاصرة هذا التنظيم والقضاء عليه؟!

أخشى أنْ تكون الولايات المتحدة سعيدة بهذا التنظيم الذي ينوب عنها وعن حليفتها إسرائيل بمهمة تفجير المنطقة على رؤوس سكانها، وأنَّها تسعى لمنحه مزيدًا من الوقت لتحقيق أهدافهما لتفتيتها وتقسيم شعوبها، طالما أنَّهم يقتلون بعضهم البعض بآلية ممنهجة، وتواطؤ من بعض عملائهما المنتشرين في المنطقة!!

إنَّ تراجعي عن رفض «نظرية المؤامرة» سببه أنَّ الولايات المتحدة التي صنعت هي ومخابراتها حركة «طالبان» المتطرفة في أفغانستان ومن بعدها تنظيم «القاعدة» الأكثر تطرفًا ليحارب نيابة عنها عدوها التقليدي، الاتحاد السوفيتي السابق، لا تتوانى في أنْ تقف وراء صناعة تنظيم إرهابي مثل «داعش» ليحارب هذه المرة عدوها الجديد؟!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات