تلاميذ أحمد سعيد

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

مَنْ في مصر والعالم العربي ينسي الإعلامي أحمد سعيد؟.. هو أكثر إذاعيِّ صوت العرب شهرة خلال حقبة الستينات، اكتسب شهرته التي وصلت إلى ذروتها صبيحة هزيمة 1967 النكراء، فقد ظل يوهم المستمعين بصوته الجهوري المؤثر بأن الجيش المصري يدق أبواب تل أبيب، وأن اليهود يستعدون للهروب الجماعي بعد أن تأكدوا من هزيمتهم المحققة.

لكن فجأة استيقظ الشعب العربي على الحقيقة المرة، عندما تبين أن الإسرائيليين احتلوا القدس والضفة والقطاع واستولوا على كامل شبه جزيرة سيناء وغيرها من الأراضي العربية التي لا نزال نكافح مع الأجيال الحالية والقادمة لتحريرها من العدو الغاصب، حينها تنبهت الجماهير بعد فوات الأوان إلى أن أحمد سعيد ليس سوى حلقة من دائرة الكذب والخداع التي سقطت فيها الأمة خلال تلك المرحلة.

لماذا نتذكر أحمد سعيد الآن؟
الإجابة: لأن الإعلام المصري يعيد هذه الأيام إنتاج طريقته في التضليل والاستخفاف بالعقول في أكبر انتكاسة يواجهها في تاريخه الحديث بعد أن ازدحمت الشاشات بتلاميذ أحمد سعيد الذين أفسدوا الذوق العام واستغلوا حالة الضياع والفوضى وهشاشة المؤسسات وأخذوا يوزعون قيمهم الفاسدة وأخلاقهم المنحطة يميناً ويساراً بلا رادع من قانون ولا وازع من ضمير ولا حتى إحساس بالمسؤولية.

بالطبع ظهور هذه الكائنات الإعلامية«المشوهة»، ليس وليد الصدفة ولا نتيجةً لمخطط خارجي، بل أستطيع وبضمير مطمئن اتهام المخلوع مبارك ووزير إعلامه الشهير صفوت الشريف بالتورط في أكبر جريمة ارتُكبت بحق المصريين، عندما سعيا إلى تخريب عقول الأمة تارة عن عمد وأخرى لضمان بقائهما على رأس السلطة لأطول فترة ممكنة.

لقد نجحا- هذا الثنائي«الشرير»- في وضع أسس وقواعد غير مشروعة لراغبي المرور من بوابة الإعلام المسموع والمرئي العام والخاص، بحيث يضمنان الولاء الكامل لكل العاملين فيه، عبر وسائل عدة بعضها أمني وأكثرها غير أخلاقي!، وكان شعارهما أن الجميع يجب أن يخضع ويظل تحت السيطرة ولا بد أن يعمل ضمن منظومتهما الفاسدة، ومن يحاول الخروج منها يدفع ثمناً باهظاً.

مع تطور صناعة الإعلام المرئي وتصاعد دعوات الانفتاح الإعلامي في تسعينات القرن الماضي وظهور الفضائيات، كان الشريف جاهزاً، ومستعداً لهذا التطور بمنظومة أمنية وقانونية تحول دون اختراقها أي مؤسسة مستقلة تسعي لتقديم إعلام مهني شريف.

الإعلام المصري يعيد هذه الأيام إنتاج طريقته في التضليل والاستخفاف بالعقول في أكبر انتكاسة يواجهها في تاريخه الحديث

إن منظومة«مبارك–الشريف» ابتكرت ترسانة من القيود لعرقلة الجادين في اقتحام هذا المجال، في المقابل شجعا شخصيات بعينها لامتلاك الفضائيات أغلبهم من رجال الأعمال وأصحاب الثروات الحرام من الباحثين عن النفوذ في حفلات الزواج غير الشرعي بين الثروة والسلطة، ففاز عدد منتقى منهم بهذا الامتياز، خاصة بعد أن تعهدوا بأن تبقى قنواتهم مرتعاً لتوثيق زواجهم الفاسد مع السلطة. فتهلل الشريران لأنهما وجدا في الإعلام الناشئ الاستعداد الكامل لاستكمال دائرة تضليل وتزييف ما تبقى من وعي الأمة المغلوبة على أمرها.

وباستعراض سريع لأسماء أصحاب هذه المحطات نكتشف أنهم جميعاً من أذناب مبارك وحاشيته، فهم خليط من عصابات الاحتكار والاستيلاء على العقارات والأراضي، والمزورين، إلى جانب المتهربين من الضرائب، وأخيراً المجهولين المستعدين لتنفيذ أجندات خارجية للأسف أغلبها خليجية نفطية هدفها النيل من الشخصية المصرية.

اليوم الساحة الإعلامية مزدحمة والفضاء مليء بالصراخ والعويل والسب والقذف وتوزيع الاتهامات بالجملة من العمالة إلى الخيانة.. حالة من التشويش المقصودة نجوم وأسماء جوفاء لا تاريخ لها ولا مهنية بل تبعية عمياء.. المقابل سخي وبالملايين، إلى جانب الشهرة والنفوذ الذي ينتظر كل من يثبت خُضوعه التام للسلطة على حساب قيم وتقاليد ومستقبل هذا المجتمع.


إذا كان أحمد سعيد خرج من رحم الإعلام الرسمي الذي كانت تحتكره الدولة، فإن تلاميذه الجدد من أعداء الشعب والحقيقة خرجوا من رحم المحتكرين الجديد من أصحاب المصالح المتحكمين في منظومة الإعلام الخاص مطمئنين، بل ومستندين على رضا وتواطؤ الدولة.. هذا الاطمئنان جعلهم أكثر شراسة وأعلى صوتاً. في المقابل تجد الإعلام المعارض أكثر هشاشة وانحرافاً عن الموضوعية بعد أن انتهج الترويج للشائعات وبث الصور المفبركة وغيرها من حيل الضعيف الذي يصرخ في البرية، فلا أحد يسمعه سوى أتباعه، وهناك من بعيد ينظر أغلب المصريين بقلق إلى سهرات الردح و«الانحطاط» الإعلامي كل ليلة، بينما يقتلهم الألم حزناً على ريادة مصر وإعلامها الذي كان!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات