درس «شارلي إيبدو»

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

في مثل هذه الأيام، وبالتحديد يوم 28 يناير 2011، كنت شاهدا على أحداث لا تُمحى من الذاكرة، عندما رأيت شباباً في عمر الزهور يقفون صامدين أمام مدرعات وقنابل وعنف أجهزة أمن حبيب العادلي.

كان موقفاً عصيباً فعلاً عندما واجه الشباب الأعزل ترسانة «العادلي- مبارك» المسلحة بصدورهم العارية، فكان بحق اختباراً قاسياً بين الحق والباطل.. بالرغم من أن النصر كان حليفاً لأصحاب الحق، أما الخزي والعار فلايزال يلاحق اللصوص والفاسدين وأتباعهم.

التجربة نفسها سبق وخاضها الشباب التونسي الرائع أثناء ثورة الياسمين، فضربوا المثل في الشجاعة والفداء، حتى أزاحوا الطاغية الذي دفعه الذهول والرعب إلى الهرب خارج البلاد في اللحظة الحاسمة.

المدهش أن حكومة عربية شاركت في تظاهرة باريس، وفي اليوم التالي حكمت على أحد شبابها بالردة والكفر وعاقبته بالسجن عشر سنوات إلى جانب الجلد والغرامة والمنع من السفر

إن هروب بن علي وإذلال مبارك ومصرع القذافي سوف يبقى شبحاً مخيفاً لكل حاكم عربي فاسد يتصور أن جحافل الجنود المدججين بكافة أنواع الأسلحة قادرة على حمايته والصمود في مواجهة طوفان الغضب الشعبي في اللحظة الفارقة التي يقرر فيها المظلوم التصدي للظالم.

تذكرت تلك الأحداث عندما شاهدت الإرهابي الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يتقدم صفوف المظاهرة العالمية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، تضامنا مع الشعب الفرنسي ضد الإرهاب.

نتانياهو لم يكن المسؤول الوحيد المتهم بالإرهاب الذي حرص على استثمار مجزرة «شارلي إيبدو»، لغسل تاريخه الملطخ بالدماء، فقد شاركته حكومات عربية عديدة هذه الرغبة.

طبعاً لو كان مبارك والقذافي وبن علي وعلي عبد الله صالح في سدة الحكم ربما سبقوا نتانياهو إلى باريس، ولو كان مسموحاً للرئيس السوري، بشار الأسد، لكان أول الواصلين إلى فرنسا للتنديد بهذه الجريمة الإرهابية، متناسيا هو ونتانياهو مسؤوليتهما عن قتل آلاف الأطفال، النساء، الشيوخ والأبرياء.

المدهش أن حكومة عربية شاركت في تظاهرة باريس، وفي اليوم التالي حكمت على أحد شبابها بالردة والكفر وعاقبته بالسجن عشر سنوات إلى جانب الجلد والغرامة والمنع من السفر.. والسبب أنه تجرأ وأسس موقعاً على شبكة الإنترنت دعا خلاله إلى نشر الأفكار الليبرالية وحرية الرأي والتعبير! وبأي حق حرص هؤلاء على الذهاب لباريس؟ وكيف يسمح لإرهابي مثل نتانياهو في هذه المناسبة، بينما دم ضحاياه في مجازر غزة والضفة وغيرهما من البقاع الفلسطينية لم يجف بعد؟!

التجارب والسنون أثبتت أن عمر إجرام الدول والحكومات قصير جداً مهما طال أمده، لأن الدنيا تتغير في ثوان، ويتحول هؤلاء الجلادون القتلة إلى كلاب ضالة تبحث عن مأوى وملاذ آمن يحميها من غضبة شعوبها، ونموذج القذافي ليس ببعيد!

لقد كانت جنازة «شارلي إيبدو» عبارة عن حق يراد به باطل، لأنها ضمت حكاماً ورموزاً لأنظمة إرهابية فاسدة عديدة، ربما كان وجودهم في الحكم سبباً في وقوع كارثة «شارلي إيبدو» و11 سبتمبر وغيرهما من جرائم الإرهاب التي هزت الإنسانية.

فإذا كان العالم جاداً في مكافحة الإرهاب واقتلاعه من جذوره ونشر السلام والوئام بين البشر، يجب عليه التحالف والتضامن لتطهير الدول من أنظمة الحكم المستبدة ومساعدة الشعوب المقهورة للخلاص من ظلم حكامها الفاسدين.

إن الوسيلة المضمونة لمواجهة خطر الإرهاب، هي العمل على توفير الحياة الكريمة للإنسان العربي المسلم، وتحريره من ربقة الظلم والتسلط والاستعباد الذي يحاصره في كل مكان، حينها لن يلجأ أي شخص إلي تفجير نفسه في حافلة ركاب ولا يفتح النار عشوائياعلى مَن يختلف معه في الفكر أو الاعتقاد، ساعتها سيقدر هذا الشخص قيمة الحياة والحرية والإنسانية.

فهل جنازة «شارلي إيبدو» المهيبة يمكن أن تكون درساً لإيقاظ ضمير أوروبا ووقف دعمها لأنظمة الحكم المستبدة، باعتبارهما السبب الحقيقي لتفشي الإرهاب والعنف في العالم؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات