سويسرا العرب

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

قادتني الصدفة إلي زيارة تونس الخضراء أثناء حسم معركة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فقد كانت غرفتي مطلة مباشرة على خيمة المرشح المناضل المنصف المرزوقي، الذي خاض بالفعل معركة انتخابية رائعة انحاز فيها للثورة والشباب ومشروع النهضة، رغم أن أغلبية التونسيين انحازوا إلى صوت العقل بكل ما يحمل من ذكريات وآلام الماضي.

بسهولة كان يمكن للمراقب التنبؤ بتوجهات الناخب التونسي، ومن خلال ثرثرة عابرة مع مثقفي مقاهي شارع بورقيبة المميزة، يتبين أن السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي هو الأوفر حظاً من منافسه، بعد أن داعب مشاعر التونسيين وذكرهم بأمجاد بورقيبة الإصلاحية عبر برنامج انتخابي واقعي بعيد عن الشعارات الجوفاء، فقد كان لافتاً ارتداؤه نفس ملابس بورقيبة ونظارة قريبة الشبه لنظارته التقليدية، فجدد لدى الأجيال التونسية روح الحداثة التي سبق وبعثها فيهم بورقيبة قبل أكثر من نصف قرن.

من حسن حظ تونس أنها بلد تقريباً بلا أعداء، وعلى الحياد دائماً وهو ما جعل الشعب التونسي محبوباً ومرحباً به في كل بلاد العرب.. هذا الوضع الاستثنائي يمكن أن يسمح لبلد مثل تونس أن تصبح سويسرا العرب، تتعاطف مع قضايا أمتها من دون التورط في انتكاساتها المحبطة، وتنتمي إليها دون الغرق في تناقضاتها الفجة، ورغم انتمائها للحضارة العربية والإسلامية، لكن الانتصار دائماً يكون من نصيب الثقافة الفرنسية والغربية.

تجربة الانتخابات التونسية الأخيرة أثبتت من جديد أن هذا البلد المحدود المساحة والموارد والسكان سيبقي نموذجاً يحتذى في عالمنا العربي، فكما كان رائداً في إشعال روح الثورة والتمرد ضد الحكام المستبدين، رسخت أيضاً مبدأ إمكانية التغيير الذي كان حلماً بعيد المنال، وأن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة لم يعد أمراً مستحيلاً عند العرب.

من حسن حظ تونس أنها بلد تقريباً بلا أعداء، وعلى الحياد دائماً وهو ما جعل الشعب التونسي محبوباً ومرحباً به في كل بلاد العرب

اكتمال ونجاح التجربة الديمقراطية التونسية مرهون اليوم بمدى نضج و بعد نظر تيار الإسلام السياسي الذي تقوده حركة النهضة، بعد أن قطعت شوطاً طويلاً في استيعاب أخطاء الآخرين، فلم تتهور، ولم تتعجل قطف الثمرة مثل إخوانها في مصر وغيرها.

الواقعية التي لجأت إليها حركة النهضة جعلتها شريكة أساسية في حكم تونس الجديدة، فلم تحاول الاقتراب من هوية تونس المتحررة ولم تسعَ إلى أسلمة الحياة حتي في الوقت القصير الذي تولت فيه الحكومة، ولم تقترب من الثوابت التي وضعها بورقيبة وجعلت من تونس بلداً عربيا بنكهة غربية.

صحيح أن الإرهاب الأسود لا يزال شبحاً يهدد الديمقراطية الوليدة في تونس، لكن الخبراء يتوقعون نجاح الأمن التونسي في بسط سيطرته على الأوضاع بسرعة بعد أن أصبح يتمتع بخبرة واسعة في التعامل مع عناصر هذه التنظيمات الشاردة، حيث نجح في محاصرتها داخل كهوف جبل الشعانبي على الحدود مع الجزائر، فحسب تقديرات الداخلية التونسية، فإن أعداد هؤلاء الإرهابيين لا يتجاوز 200 عنصر أغلبهم من الأجانب وأن نهايتهم أوشكت على الاقتراب.

كان السبسي موفقاً للغاية وأثبت أنه رجل دولة من الطراز الرفيع. تجلي ذلك في أكثر من موقف،لاسيما خلال خطاب الفوز الذي حمل رسائل ومعاني عميقة المضمون، أبرزها وعوده أن يكون رئيساً لكل التونسيين وعدم السماح بعودة رموز نظام بن على للحكم مرة أخرى، والعمل على تحقيق أهداف ثورة الياسمين، وتوزيع التنمية بعدالة على كل أرجاء البلاد.

إذا كانت حركة النهضة استوعبت الدرس وتجنبت الوقوع في الفخ الذي وقع فيه غيرها بدول عربية عدة، فهل تستوعب الأنظمة العربية عبقرية التجربة التونسية، أم تظل تتجاهل مغزاها بلا وعي ولا إدراك؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات