الدين.. والدولة

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

هل الإسلام دين ودولة؟ سؤال قديمٌ متجددٌ، لكنه يطرح نفسه بقوة في الفترة الأخيرة خاصة بعد تنامي ظاهرة الإسلام السياسي، التي نمت وترعرعت في دول الربيع، الذي كاد يوقظ أبناء العروبة من سباتهم الطويل قبل ثلاثة أعوام.

هذا المد الإسلامي طرح نفسه بديلاً للأنظمة القمعية الديكتاتورية، التي ظلت جاثمة على أنفاس شعوب هذه الدول طوال أكثر من نصف قرن.

عندما تنفست الشعوب الصعداء مع ثورة الياسمين التونسية، وتهاوت الأنظمة الفاسدة بسرعة في كل من تونس ومصر ثم ليبيا واليمن، كانت الشعوب تنتظر مفاجأة غير سارة، حيث خططت تلك الأنظمة أن يكون بديلها «بعبع المتطرفين»، الذي ظلت تربيه في حديقتها الخلفية ليحل محلها في اللحظة الحاسمة، وهي تدرك أنَّه أكثر منها فسادًا وخطورة على مستقبل المنطقة، ومن المؤسف أنَّ نتيجة جولة الربيع جاءت في صالح الفساد والاستبداد عكس ما تمنت وحلمت الشعوب.

كل هذا دفعني لأن أعيد طرح السؤال: هل بالفعل الإسلام«السياسي» يحمل بين طياته مقومات بناء الدولة الحديثة؟ إذا كانت الإجابة بـ«نعم».. فلماذا لم يقدِّم لنا أي نموذج ناجح لتلك الدولة على مدى أكثر من 14 قرنًا من الزمان؟ ولماذا بقي أغلب المسلمين دون غيرهم من شعوب العالم يعيشون تحت أنظمة قمعية ديكتاتورية فاشلة؟! فضلاً عن بقائها عالة على الحضارات الأخرى الأكثر تقدُّمًا؟

أخشى أن يفهم محدودو الأفق أنني أتهم الإسلام بالعجز أو النقيصة

أما إذا كانت الإجابة بـ«النفي».. فلماذا نضيع وقتنا ونبدد جهودنا ولا نقدِّم بدائل وحلولاً وننأى بالإسلام بعيدًا عن هذا المأزق المرير، ونترك الفرصة متاحة أمام مهاويس العصر أمثال«داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية، التي تزعم أنَّها منوط بها تحقيق عدالة السماء الغائبة!

أخشى أن يفهم محدودو الأفق أنني أتهم الإسلام بالعجز أو النقيصة، كلا.. بل العكس هو الصحيح فإنَّ الإسلام يتضمن أكبر منظومة أخلاقية وإنسانية واجتماعية عرفها الإنسان منذ بدء الخليقة إلى الآن، لكن القول إن الإسلام يصلح لقيادة دولة عصرية تراعي القيم السياسية الحديثة فهذا هو محل الخلاف والجدل؛ لأنَّ الحكم بالدين والشريعة يرتبط دائمًا بالمعصومية وهذا يتناقض مع مفاهيم السياسة التي تطبق قواعد مصلحية مادية، ربما تتعارض في مجملها مع أغلب القيم الدينية.

إذن.. لابد من البحث عن بديل ليس بفصل الدين عن الدولة بوسائل جراحية استفزازية على طريقة أتاتورك في تركيا، بل بالبحث عن حلول جذرية أكثر عمقًا وقبولاً من عموم الناس، على أنْ يتم ذلك بنفس الأسلوب الذي تمَّ في أوروبا عندما كانت الكنيسة تتحكم في البشر أحياءً وأمواتًا خلال العصور المظلمة!! فلم تشهد أوروبا ولا العالم أجمع تطورًا ولا تقدُّمًا إلا بعد فصل الكنيسة فصلاً تامًا عن شؤون الدولة.

الآباء المؤسسون للولايات المتحدة كانوا مدركين هذه الحقيقة مبكرًا، فوضعوا نصًّا بالدستور يمنع تدخل الدولة في الأمور الدينية ويمنع الكنيسة من التدخل في القضايا السياسية.

فهل آن الأوان أن نُقدِم على خطوة جريئة لإخراج المسلمين وبالتحديد العرب من عصور الظلام، ونعترف بأنَّ الإسلام دينٌ عظيمٌ، ولكنه لا يصلح لبناء دولة عصرية حديثة؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات