«القسورة» بين «الأخونة» و«الجهونة»

بشير زعبية |
بشير زعبية

عمود الدخان الكثيف الذي لا زال حتى الساعة ينبعث من خزانات نفط طريق المطار صانعًا غيمة عملاقة في سماء العاصمة طرابلس هو الشاهد الذي يذكّر أهالي المدينة بأن ثمة اقتتالاً في محيطها دخل اليوم شهره الثاني، دون معطيات مقنعة تدلل على أن أحدًا من الطرفين قد حقق ما يمكن أن نسميه مكسبًا على الأرض، وحده الدمار يتجلى دليلاً ماديًا على ضراوة الاقتتال، ووحدها النعوش العائدة إلى مدنها تكشف مدى دمويته.

بعد شهر من حرب الشقيق على الشقيق وتقاتل رفاق جبهة الأمس لم يجرؤ، أو لم يشأ (سيان) أحدٌ الإعلان عن العنوان الحقيقي لهذه الحرب بغير شعاراتٍ نجحت إلى حد كبير في جر بسطاء الناس من ذوي النوايا الطيبة إلى تأييدها ودفع الدم من أجلها. لا أحد من اللاعبين الحقيقيين الذين أطلقوا الرصاصة الأولى أو القذيفة أو الفكرة الأولى في هذه الحرب كشف عن نفسه، وكشف عن أجندته التي احتوت قرار الحرب وعن تفاصيلها حيث يطل شيطان السياسة المتحفز.

بدأت الحرب تحت شعار «القسورة» بما يحمله من بعد ديني مستهدفة في البداية مطار طرابلس كخطوة أولى نحو «تحرير» طرابلس كما أعلن مطلقوها

بدأت الحرب تحت شعار «القسورة» بما يحمله من بعد ديني مستهدفة في البداية مطار طرابلس كخطوة أولى نحو «تحرير» طرابلس كما أعلن مطلقوها، ليعطوها فيما بعد مسمى «فجر ليبيا»، لكن توقيت القذيفة الأولى فتح الباب للتأويل السياسي، ولأن الصدفة لا تكون صدفة في السياق السياسي، فإن ظهور «القسورة» مع ظهور نتائج مسار الاقتراع في انتخابات مجلس النواب، فرض أولى تفسيرات الحملة، حين تبين أن القوى السياسية المؤيدة بقوة للحملة لم تكسب رهان الاقتراع؛ مما يعني ضآلة تمثيل متوقعة في تشكيلة حكومة البرلمان المرتقبة، وبالتالي وجد هذا الوضع من يفسره بأنه محاولة فرض واقع بالقوة على الأرض يحقق ما تراه هذه القوى «التوازن» المفقود في مجلس النواب المنتخب، بمعنى ضمان اقتسام السلطة، ولأن العاصمة طرابلس في المنظور السياسي التقليدي هي مركز السلطة، فإن التفسير ذهب أيضًا إلى حد الخشية من أن يتحول «اقتسام» السلطة إلى «استيلاء» على السلطة إذا نجحت قوى «القسورة» في تحقيق انتصار كاسح على خصومها.

إلى ذلك طُرح السؤال: لماذا قرار الحرب لإخلاء مطار طرابلس من التشكيل المسلح الذي يسيطر عليه ولدينا قراران من المؤتمر الوطني مدعومان شعبيًا بإخلاء العاصمة كلها من التشكيلات المسلحة الخارجة عن الشرعية؟ لِمَ لَمْ يتم انتظار أن تتشكل الحكومة المنبثقة وتعمل على تنفيذ القرارين تحت شرعيتها؟ ولماذا الاستعجال في بدء إطلاق النار قبل أيام من إعلان النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب؟!
أسئلة التوقيت أيضًا تربط بين ما يجري في بنغازي تحت عنوان «عملية الكرامة» التي أطلقها اللواء المتقاعد خليفة حفتر لـ«تحرير» بنغازي، وإطلاق عملية «القسورة» لـ«تحرير» طرابلس؛ مما أعطى المشهدَ عنوانَه الذي لم يعلن: (القسورة في مواجهة الكرامة).

ولعل هذا الربط ظهر بشكل واضح في تقرير نشرته دورية (مغرب - كونفيدنشال) حول لقاء جرى في طرابلس يوليو الماضي جمع مسؤولة الشؤون السياسية في بعثة الاتحاد الأوروبي آنا كوهيلو بوفد يمثل الإخوان المسلمين في طرابلس أكد فيه الوفد «أنه ليس في نيتهم تخفيض التوتر سوى بعد تحييد الجنرال خليفة حفتر والقضاء عليه»، ولم يتم نفي التقرير، ثم في تصريح رئيس حزب العدالة والبناء محمد صوان لوكالة أسوشيتدبرس الذي نقلت عنه الوكالة تأييده للعملية العسكرية في طرابلس، وظهر التوجه نفسه أيضًا في كتابات لأسماء معروفة تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بدت وكأنها تتبنى بل وتتباهى بالعملية وتلوح بها في وجه الخصوم. إذن كان من الطبيعي أن يشير خصوم الجماعة إلى دور إخواني وراء حملة «القسورة»، وربما تعمد الإخوان الإيحاء بطريقة ما إلى هذا الدور المباشر.

في سياق موازٍ لـ«أخونة» القسورة، ثمة من تعمد «جهونتها» وإن قيل غير ذلك، إن استبدل بعضهم أيضًا القسورة بـ«فجر ليبيا»، وظهر ذلك مع إظهار شخصية معروفة مثيرة للجدل وتنتمي إلى مدينة بعينها لنفسه قرب مطار طرابلس في الهجوم الأول على مطار طرابلس وهو يكبر ويشير إلى سياج المطار، وكأنه يوجه رسالة واضحة بأن القوة المحسوبة على مدينته هي التي تقود العملية وإن اتخذت اسما آخرًا كدرع الوسطى على سبيل المثال، وقد انتشر هذا المشهد سريعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتبدأ الحملة على هذه المدينة وتلبسها «القسورة».

إذن تمت جهونة «القسورة» وإن استعارت «فجر ليبيا» اسمًا آخرًا. وأصبحنا أمام مواجهة بين قوتين تمثلان جهتين محددتين وإن حاول أيٌ من الطرفين رفض هذا التوصيف معللاً ذلك بمشاركة قوات أخرى إلى جانبه تمثل مدنًا أخرى.

وتورط الطرفان في اقتتال يقفل الشهر الآن حاصدًا الأرواح مدمرًا المرافق مهجرًا آلاف الليبيين، وشلت تداعياتُه العاصمة طرابلس وأدخلها حالة من البؤس تعطلت فيها الخدمات، وحول حياة سكانها إلى نوع من العذاب اليومي، دون أن يحقق أيٌ من الطرفين إنجازًا يبرر كل هذا القتل والدمار، وهو سؤال يخشى كل طرف من أن تفجره في وجهه عائلات القتلى وهم يحصون نعوش أبنائهم العائدة من مناطق القصف.

ومهما كانت مبررات هذه الحرب المعلنة منها وغير المعلنة، ومهما كان توصيفها السياسي أو الجهوي، ومهما كانت الشعارات التي خيضت تحتها، وحين تسكت المدافع وتعود الراجمات إلى مخابئها، عندها لا بدّ من تشكيل لجنة تحقيق محايدة لتوصيف ما حدث، وتحديد المسؤولية، فلا ينبغي أن تمر هذه الواقعة الكارثة هكذا، وإن سكت السلاح وتصالحت الأطراف، وعاد كل إلى دياره!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : حمزة النايف

    24.08.2014 الساعة 17:16

    من العنوان واضح التوجه لماذا ياسيدي المحترم لا تقر بان قسورة جاءت لإنها الكرامة التي قادها حفتر المتقاعد . ولماذا تتغافل عن حجم التنسيق بين الكرامة وكتائب الازلام في طرابلس والاهم من ذلك كله فلواء المعزز 32 والمدني وكتيبتي القعقاع والصواعق هم في الاساس من كانوا يحاربون المدن الثائرة والثوار في سنة 2011 مع إضافة بعض القيادات المحسوبة على مدينة الزنتان المجاهدة للاسف فياسيدي من الطبيعي عندما تبدأ العنوان بالوصف الخاطي فمن المضحك انك تريد ان تستنتج خلاصات واقعية ... اما عن جماعة الاخوان المسلمين التى انا عضوا فيها واتشرف بالنسب اليهاا فهي لا تدعي شرفا ولا تنكر تهمة كثوار مثل باقي الاحرار متواجدون بالساحات العسكرية والسياسية وكل الساحات والجهات التي تخدم فجر ليبيا ولن ننكر يوما اننا ضدها وكيف ننكر ولنا شهداء فيها .. فأبتعد عن توصيف الخطأ وتكلم عن المضمون وهو ان قسورة جاءت لتمحي الكرامة ومن دعمها ومن ايدها ومن خان الوطن ومن تسلق على حساب الشهداء .

  • بواسطة : مختار

    16.08.2014 الساعة 18:21

    ما يحدت ببساطة هو وفاء جماعة الإخوان المسلمين والمتحالفين معها لإسلوبها القديم الجديد الدى ينص على إتارة الفوضى وخلط الأوراق عند تلقى الهزائم ومايحدت فى طرابلس وبنغازى لايعدوا كونه محاولة خلق ميادين رابعة فى المدن الليبية بأسلوب هو مزيج بين الطريقة المصرية لتقسيم المجتمع الى طرفين متصارعين والطريقة الليبية المستجدة حديتا وهى أسلوب الرصاص مجهول المصدر وفى الحلقة الأخيرة سيخرجون علينا خروج الدئب فى ثياب الواعضين بحسب الشاعر العربى أما الجزء المهم الدى يفوت الكتيرين إن الجماعة نفسها ستبقى فى حالة كمون وإسترخاء حتى ينتهى الصراع إما بقضاء طرف على ألاخر أو نهايتهما معا وفى كلتا الحالتين إما ستنضم مع الطرف المنتصر أو ستخرج هى المنتصرة بإعتبار البرغماتية المعروفة بها وهى نفس البرغماتية التى جعلتها مقربة وعرابة سيف القدافى وعرابة الدروع والمليشيات وأكتر شى مضحك فى تلك الحلقة ألاخيرة إنها أنها ستلفت وتبحت عن من سيقضى على من وقف معها خلال هده الازمة......... إنه الوفاء لدم الشهداء ياسادة

  • بواسطة : اعبيد

    15.08.2014 الساعة 03:50

    درج كل المجرمين في ساحة الوطن بعد أحداث فبراير على أن يرتكبوا كل ألوان الجرائم وينصرفون كمن ينصرف من حفلة سينما دون أدنى خوف لساعة حساب. للاسف الجرائم التي ارتكبت في عملية القسورة تجاوزت كل الخطوط الحمر ولابد من الحساب والحساب العسير لكل من تسبب في ماساة لمواطن ليبي..