معايير المهنة وحرية الإعلام

بشير زعبية |
بشير زعبية

في عُرف الإعلام المحترف مهنيًّا، لا يمكن لوسيلة إعلام أن تنشر تكذيبًا أو انتقادًا من طرفٍ يمس وسيلة إعلام أخرى، لكنها تنشر هذا التكذيب أو الانتقاد إذا كان يتعلق بها نفسها. هذه معايير احترام المهنة.

انطلاقًا من هذه القاعدة الصحفية، يجب ألا تتحول وسيلة إعلامٍ ما إلى منبر للهجوم على وسيلة زميلة، أولًا: لأن هذا المسلك يسيء إلى تقاليد المهنة، وثانيًا: لأن هذا لا يخدم الرأي العام، بل يضره؛ لأنه يضرب مصداقية الإعلام في الصميم، ما يؤدي إلى إرباكه، وسنصبح وكأننا نصدق على قول القائل: "شهد شاهد من أهلها"، وستسمع حُكمًا عامًّا في الشارع مثل "كله زي بعضه". فما بالكم بلجوء وسيلة إعلام إلى التهجم على أخرى لمجرد النيل، فتكَيل التهم لها دون مبرر سوى اعتقاد بأن هذا يدخل في إطار المنافسة! وما بالكم أيضًا إذا كانت وسيلة الإعلام المستهدفة بالتهجم أساسًا هي في طور الإعداد ولم تظهر بعدُ!

إن الإعلام لا يواجه إلا بالحجة والوقائع والمعلومات، وأنت تستطيع أن تُكذِّب أو تنتقد وسيلة إعلامٍ ما بقدر ما ترصد من وقائع وتملك من معلومات تمكِّنك من ذلك وتعزز حجتك.

أيضًا، على الجانب الآخر، لا يجوز لوسيلة إعلام أن تتخذ من مديح أدائها مبدأ ضمن منهج عملها؛ لأننا هنا سنسأل: ما المعيار الذي يسمح لتلك الوسيلة بأن تمدح نفسها وتضع نفسها بنفسها في القمة دون أن ترى في هذا الأسلوب إنقاصًا من قدر الآخرين؟.

لقد بتنا في هذه "الفورة" الإعلامية ولا أستخدم تعبير "الفوضى"، نسمع إعلاميًّا يجعل من الهجوم على وسيلة إعلام أخرى قصته الرئيسة بلغة الصحافة، والمشكلة أن مادة الهجوم ليست مهنية، بل هي مشخصنة في موضوعها، إطلاقية في توزيع الاتهامات، شرسة في الحطِّ من قدر الآخرين، منفلتة في تحريض الرأي العام ضدهم، ولا يهم إن أدَّى هذا التحريض إلى تعريض أرواح زملاء للخطر!

وتضيع في ظل "الفورة" القائمة كل الخطوط الفاصلة بين حرية الإعلام والانفلات الإعلامي، وهو أمر -في رأيي- ناجم عن عدم الاتفاق على معايير أو ضوابط محددة تفصل بين الأمرين، أي بشكل عام لا توجد حتى الآن تشريعات أو ضوابط مهنية متفق عليها لتحديد مفهوم واقعي وقانوني لحرية الإعلام.

هذه قضية لا يقتصر وجودها على ليبيا وحدها، بل تشترك فيها بلدان عدَّة، بما فيها الدول التي تتسيَّد المشهد الإعلامي في العالم، وتمكن مقاربة الحالة الليبية إلى حدٍّ كبير بحالتي جارتيها تونس ومصر، لتشابه الظرف الموضوعي الذي تعيشه البلدان الثلاثة منذ تفجر ما اتفق الكثيرون على تسميته "الربيع العربي".

وعلى الرغم من أن ثنائية الحرية والفوضى هي ثنائية عامة يمكن أن تتجلى في كل شأن له علاقة بمبدأ الحرية وممارستها، وتطرح ضمن سؤال الحرية الدائم، فإننا هنا نستحضرها في جانبها المتعلق بحرية الإعلام أو ما نشير إليه بمفهوم حرية الإعلام أو حرية الرأي والتعبير، التي لا بد أن نستحضر معها نص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عام 1948، التي تقر أن "لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، ويتضمن ذلك الحق: اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وبثها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".

حين نتحدث هنا عن حرية الرأي والتعبير، فإننا بالطبع لا نتحدث عن حرية مطلقة، فلا وجود لحرية مطلقة إلا في حالة الفوضى المطلقة؛ لذا ينبغي أن نتحدث عن الحرية التي تعني المسؤولية، والاحتكام إلى الضمير المهني والأخلاقي أولًا، قبل الاحتكام إلى ما يمكن أن يصدر من تشريعات أو ضوابط في هذا الخصوص.

لا مكان في باب الحرية للقذف وسب الآخرين أو التشهير بهم، وليس من الحرية توجيه التهم إلى الآخرين دونما دليل أو سند يعززه قانون، وليس من الحرية أيضًا نشر الأفكار التي تدعو إلى الكراهية والتحريض على العنف وتروج للعنصرية، ولا مكان لأخبار لا مصادر واضحة لها قد تثير البلبلة وتضر بالأمن القومي للبلاد.

إن أفعالاً كهذه قد تجد ما تقع تحته من أحكام وفق قانون العقوبات، دون اعتبار ذلك مسًّا بحرية الرأي أو حرية الصحافة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات