ليبيا الآن.. تجريف المجرّف!

بشير زعبية |
بشير زعبية

في أوج المواجهة المُسلّحة مع كتائب القذافي، بل ومنذ بدء (الهبّة)، ثم (الفزعة) فـ(الجبهة)، لم يرفع الليبيون شعارًا غير الحرية ملخّصًا في "مطلبنا الحرية"، تلك اللافتة التي أصبحت فيما بعد إحدى تمائم فبراير، ولأن ما حدث في ليبيا في هذا السياق قد حدث قبل ثلاثة أعوام وليس قبل مئة سنة، فلا يَحقُّ لأحدٍ أنْ يزايد ويدّعي أنّه كان يُمثِّل قوى أخرى كانت ترفع شعارات أخرى، كل الشعارات والادعاءات التي تُرفع وتُطلق الآن وتكتظ بها الميادين والشوارع والمقاهي ووسائل الإعلام والمساجد وقاعات المؤتمرات إنما رُفِعَت بعد أنْ أَنْجَزَ السلاح دورَه، وشرع الليبيون في بناء ليبيا الجديدة، كل القوى والتيارات التي تُحاول أنْ تفتك وتتصدر الآن المشهد إمّا بالسلاح أو دونه، إنما هي تعمل لحسابها الخاص أو لحساب آخرين بالوكالة، وتسعى إلى التفرُّد بتأييد الداخل أو دعم الخارج!

ما أقوله ليس من باب الإدانة ولكنه توصيفٌ للحالة؛ لأنّ هناك مَن يتزيّد ويزايد، ويسعى إلى إقصاء الآخر مغلفًا بـ(العزل) تارةً، وبحرص على الثورة والوطن تارةً أخرى، لكنه في الحقيقة محاولة لإزالة آخرين من طريقه نحو السلطة!

كل سهل تم تعقيده في هذا الاتجاه، لا أحد على سبيل المثال رفض مبدأ العزل في صيغته المنطقية والعقلانية التي تلخصه في (كل مَن أجرم في حق الشعب الليبي قتلاً وقمعًا وتعذيبًا ومطاردةً، وكل مَن ثبت أنّه نهب المال العام أو الخاص، وكل مَن وقف ضد إرادة الليبيين في فبراير، وفي العموم كل مَن شارك مِن موقعه الوظيفي في الإفساد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي)، لكن التدافع وهو المصطلح المخفّف لمصطلح الصراع على المنصب الآن والسلطة في السياق، هو الذي مطط وفضفض وعقّد مفهوم العزل إلى حد أريد له أنْ يفصل على شخصيات بعينها، ثم إلى صيغة "هد المعبد" على الجميع!

إنّ هذا لا شك عمل على تعطيل السير نحو تحقيق الإنجاز الأهم الذي أوكلت مهمته إلى المؤتمر بإشغاله وإغراقه في تفاصيل مشاريع قوانين كان يمكن أنْ تؤجَّل إلى ما بعد إقرار الدستور. أقول هذا لأن شعارات كثيرة ظهرت بعد أن انتهت مهمة السلاح الرئيسة، ويجري تحويرحقيقة ما قام به الليبيون في فبراير 2011 لصالح توجُّهات جديدة يتم توظيفها في مشروع إدخال البلاد في صراع محتمل على السلطة.

ومهما كانت هذه الشعارات مخلصةً للوطن كما يدّعي أصحابها أو للقوى التي يمثلونها التي ارتدت رابطة العنق أو العمامة، فإنّ الإخلاص الحقيقي يرتبط بمدى القدرة على الوعي بالمخاطر الحقيقية التي يواجهها الوطن والتي تحول أماني فبراير على الأرض إلى حالة مُتقدّمة من تجريف البلاد، وهي التي لم تكد تخرج من أكبر عملية تجريف استهدف كل شيء، من السياسي إلى الديني، ومن المادي إلى المعنوي على امتداد أكثر من أربعين عامًا، إننا بذلك أمام حالة يمكن أنْ نطلق عليها تجريف المجرّف! وإلا ما الذي يحدث لـ(دولة بناء الدولة) الآن ويطال جيشها وأمنها، ويُفكِك المُفكَّك في تركيبة البلاد الاجتماعية عبر تحديث النزاعات الجهوية والقبلية؟ وما التوصيف الذي نطلقه على مجتمع يستسهل فيه إيذاء الآخرين سطوًا وخطفًا وتعذيبًا وقتلاً، وهو المجتمع الذي وُصف كثيرًا بـ(المحافظ) و(الطيب)؟ هذا هو مشهد البلاد الذي يجب أنْ نراه إنْ كنا ندّعي الإخلاص للوطن، ومن ثَمَّ السعي نحو التقاط المشترك الإيجابي بين (المخلصين) للتعاطي مع الحالة، متحرّرين من ثقافة المزايدة والتصنيف والفرز والأنانية والإطلاقيات والنسف ووهم احتكار الحقيقة، وتبنّي خيار الحوار والتوافق الوطني الذي استهلت به ليبيا الجديدة مسارها ممثلاً في تشكيل المجلس الوطني الانتقالي، واختيار رئيس له تم مباركته ومبايعته حينها من كل الليبيين في الداخل والخارج وبكل مكوناتهم، واستعادة تلك الروح التي أنتجته والتي لم يتم استثمارها كما يجب، وإلا لما كان الحال كما هو عليه الآن حالة تأخذ في التعقيد وتربك البلاد والعباد.

إنّ الإخلاص الحقيقي للوطن هو في الاحتكام إلى العقل والمنطق والحكمة وتغليب العام على الخاص وإرساء مبادئ السير على الطريق الديمقراطي، طريق بناء ليبيا الجديدة، دولة الحق والقانون والعدالة واحترام حقوق الإنسان، وتوزيع فرص العمل والاجتهاد بين الناس بالتساوي، مستندين إلى مرجعية الدستور الذي سينجز وإلى مرجعية أكبر هي ليبيا، لا أعتقد أنّ أمامنا غير هذا لوقف التجريف.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات