انتخاب أول رئيس في تاريخ ليبيا

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

ذكرت مرة أن عبارة (الرئيس السابق) لم يسبق لها أن دخلت القاموس السياسي العربي (باستثناء لبنان تقريبا)، بينما امتلأ قاموس الديمقراطية العربية الشمولية بعبارات: الرئيس المعزول ، أو الرئيس المخلوع، أو الرئيس المقبور.

أما ليبيا فلم يسبق أن دخل قاموسها السياسي منصب رئيس الدولة من أساسه، لا الرئيس الراهن، ولا اللاحق، ولا السابق، ولا المخلوع أو المعزول، ولا حتى نائب الرئيس. منذ الولاة الأتراك مرورا بالحكام القره مانليين وصولاً إلى الملك، وعبر كل هذه الحقب التي انتهت بضابط صغير قاد انقلابا وسمى هذا الانقلاب ثورة، ونصب نفسه قائد هذه الثورة المزعومة لأربعة عقود، رافضا تسميته رئيسا، مضفيا على اسمه ألقابا عديدة مثل المعلم والملهم والمُرشِّد والثائر الأممي ومهندس النهر والقيادة التاريخية، حتى انتهى بتنصيب نفسه ملك ملوك أفريقيا التقليديين، وهو اللقب الذي لقي به مصرعه في مسقط رأسه سرت.

الآن، حسب خطة مبعوث الأمم المتحدة؛ التي تركز على انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية العام 2018 ، سيكون، إذا ما صحت الانتخابات ، الرئيس المنتخب هو أول رئيس في تاريخ الدولة الليبية بكل تقلباتها أو في تاريخ هذا الكيان منذ الأزل.

لذلك لن يكون الأمر يسيرا، ولن يكون مثل انتخاب أعضاء برلمان أو انتخاب رئيس حكومة أو انتخاب هيأة تأسيسية، خصوصا وأن مسودة الدستور المقترحة لم تحدد طبيعة النظام السياسي في ليبيا، ما إذا كان رئاسيا أو برلمانيا أو مختلطا.

سيذهب الليبيون لانتخاب أول رئيس دون أن يعرفوا اختصاصاته وصلاحياته، وليس في أذهانهم منصب سابق كمرجعية سوى مرحلة حكم القذافي الشمولية التي عايشها معظم الأجيال التي يحق لها الانتخاب.

كما تأتي صعوبة انتخاب الرئيس الأوحد بعد إرساء قاعدة المحاصصة لكل السلطات التي انتخبت أو كلفت بعد فبراير، وهي المحاصصة التي جعلت الاتفاق السياسي يقترح رئيسا للمرة الأولى بثلاث رؤوس (عدد أقاليم ليبيا) ما لبثت أن وصلت إلى تسعة رؤوس تحت إلحاح المحاصصة الجهوية والأيديولوجية وسياسة الأمر الواقع.

لذلك سيكون انتخاب رئيس برأس واحدة مهمة صعبة، ولن يسهل التوافق بشأنها، خصوصا بعد ما شهدته ليبيا في هذه السنوات السبع من حالات انقسام واستقطابات حادة، غذاها صراع الانتهازيين على الثروة والسلطة، وما يتبعهم من أبواق إعلامية عمقت الهوة بين الليبيين بجميع تفريعاتهم.

قد تذهب محاولة الحل الجغرافي لهذه المعضلة إلى حل وسط يتمثل في انتخاب رئيس من المنطقة الوسطى، لكن معظم الليبيين لم يتخلصوا من ذكريات طاغية جاء من هذه المنطقة التي دفعت وللأسف ثمن كونه منها، ورغم أن المستفيدين من مرحلته، مثل المتضررين، من جميع أنحاء ليبيا.

وقد تذهب محاولة الحل التاريخي إلى أن ليبيا منذ الاستقلال حكمها ملك محسوب على الشرق، وبعد الانقلاب حاكم محسوب على المنطقة الوسطى، وآن الأوان لأن يكون السجال الانتخابي بين المنطقة الغربية والمنطقة الجنوبية.

وقد تذهب محاولة الحل السوسيولوجي إلى أن يكون الحاكم ابن حاضرة مدينية لا قبيلة له بعد أن سيطر أصحاب الولاءات القبلية على أعلى منصب في الدولة طيلة الفترة ما بعد الاستقلال، مثلما كان اختيار الكيب لأول حكومة بعد فبراير باعتباره طرابلسيا خارج نطاق الصراع القبلي والعشائري.

أما الحل التلفيقي أو التهجيني فقد يلجأ إلى شخص أصوله من الغرب وعاش في الشرق أو العكس، وثمة شخصيات كثيرة تتمتع بهذه السمة.

برقة تعيش حالة قصوى من الشعور بالاضطهاد التاريخي تغذيه كل يوم حكايا يختلط فيها الحقيقي بالخرافي، والغرب الليبي يراهن على الكثافة السكانية، بينما الجنوب كعادته لا يطمح سوى للاستقرار وللمشاركة النوعية في مؤسسات الحكم.

قناعتي الشخصية بالتأكيد ضد كل هذا التجاذب الجهوي الذي يتلاعب به الانتهازيون، وتذهب إلى الاختيار المبني على الكفاءة والخبرة، والكثيرون يذهبون المذهب نفسه. أولئك الذين انتقدوا مبدأ المحاصصة منذ بدايتها لكنهم لم ولن يشكلوا ثقلا نوعيا مع الأغلبية التي انساقت وراء هرج الإعلام، وتحسب هذه الحسابات بدقة.

ما يقلقني أيضا هو كون تجربة انتخاب الرئيس جديدة على ثقافة هذا المجتمع السياسية، وقد تذهب إلى مسار العديد من الدول الأفريقية التي عاشت منذ أكثر من خمس عقود تحت مظلة دساتير تضمن مبدأ تداول السلطة والسقف الزمني لمدة الرئاسة، ورغم كل ذلك مازال حتى الآن إخراج رئيس أكمل فترته الدستورية من كرسي الرئاسة تترتب عليه حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. أخشى هذا السيناريو ونحن نبدأ خطواتنا الأولى في مرحلة رئيس الدولة المنتخب. خصوصا وأن الذهنية والتركيبة الاجتماعية والسياسية، والتراث عندنا لا يختلف عن هذه الدول التي مرارا كان يضرب فيها الرئيس وحزبه ـ الذي عادة ما يكون قبيلته ـ الدستور بعرض الحائط.

بعد الربيع العربي نجحت تجربة تداول السلطة في تونس، ومازالت في مصر تحت الاختبار ولن نحكم بنجاحها حتى يسمح لأشخاص أقوياء بالترشح بجانب الرئيس السيسي، أو يتوقف عن ترشيح نفسه بعد إتمام فترته الدستورية، أما في ليبيا التي عشنا فيها مرحلة انتقالية تخللتها عدة انتخابات، ندرك أن لا سلطة منها سلمت لسلطة بعدها ما عدا ذاك الإخراج الهوليودي الأنيق الذي تم بين الكيب وعلي زيدان، وظلت باقي السلطات التشريعية والحكومات قائمة وكل منها يدعي الشرعية. وأخاف أن يتكرر هذا التشبث المرضي بالسلطة مع رئيس ليبيا المستقبلي.

ربما من هذا المنطلق ينحاز الكثيرون، بمن فيهم أشخاص موضوعيون، في الفترة الأخيرة لإعادة النظام الملكي الدستوري إلى ليبيا، حتى يبعدوها عن تعقيدات المنصب الأعلى الذي قد تترتب عنه حروب دورية أو حالات فراغ سياسي قاتل ، وبذلك يحدث الصراع في الانتخابات التشريعية والحكومة ورئاستها، التي تعود عليها الليبيون سواء فترة الملكية أو فترة النظام الجماهيري.

من جانب آخر، وهذا رأيي الشخصي، ثمة مجتمعات تناسب خصائصها الثقافية والاجتماعية والسيكولوجية نظام الحكم الملكي، وربما هذه الخصائص هي التي جعلت دولاً على حدود فرنسا ـ التي انبثق منها النظام الجمهوري ـ تحتفظ بنظمها الملكية حتى الآن بعد أن تشربت القيم الجمهورية داخل نظمها الملكية الدستورية.

مجتمعات حافظت على الحضور الرمزي للملك أو الملكة أو الإمبراطور كضمانة لوحدة هذه الدول وتجانسها، كما في اليابان وتايلاند، أو كحفاظ على فلكلورها وتقاليدها كما في بريطانيا وغيرها من الممالك الأوربية.

ورغم ذلك فإني أؤمن أن هذه الليبيا تفاجئنا أحيانا وتقلب حساباتنا ، كما حدث في أول انتخابات، حيث خسرها تيار الإسلام السياسي الذي توقع الجميع فوزه الكاسح في ليبيا، وخسارته في تونس ومصر، وحدث العكس تماما.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات