شنه!

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

مما كتبت عن كتاب الدكتور على عتيقه - بين الإرادة والأمل - استغرابي من ارتداء مصراتي قح لشنة حمراء! فالشرق - واخوتنا (التوانسة) وبعض الافارقة - هم فقط من يرتدون الشنة الحمراء، أما إخواننا في الغرب فيرتدون الشنة (الكحلة).

في عمان استقبلني الدكتور على - كعادته - مرحبا، مرتديا شنة ليبية حمراء !، وقال لي متبسما، تعقيبا عن استغرابي عندما كتبت عن شنته الحمراء: "لم ولن أرتدي شنة كحلة! علاقتي فقط (بالشناني) الحمراء الفاتحة والأخرى الداكنة، ففي الغرب يرتدي الناس شنة أدكن قليلا من شنة الشرق الحمراء، أما الكحلة فلها قصة يبدو أنك لم تسمعها من قبل". اجبته بالنفي.

جاءنا النادل بالقهوتين. ملأ كأسي بالماء، وقال: "قبيل واحدة من أزمات القذافي السياسية مع اخواننا التوانسة كان قد تعاقد مع مصانعهم على تصنيع عدة ملايين من (الشناني الليبية) بلون أخضر لنرتديها بدلا من تلك الحمراء، فتكدست وخلقت أزمة، وطالت الجفوة بين النظامين. وكان على تلك المصانع أن تتصرف حيالها، أو تعلن افلاسها، ولم تجد من وسيلة إلاّ تغيير لونها!.

وجد الفنيون أن اللون الأسود فقط هو الأفضل لطمس الأخضر! وهكذا انتشرت الشناني السوداء في المنطقة الغربية لتتفرد بها". عقبت مازحا: "لو نفذ مشروع الشنة الخضراء لاستطعنا - الآن - بسهولة تمييز (الأزلام) عن غيرهم، وما من حاجة لقانون العزل السياسي".

قاطعني ساخرا: "مشكلة الليبيين ليست في (الشناني) ولكن في فارغي الرؤوس". اجبته: "تقصد حاسري الرؤوس؟". دفع شنته الحمراء إلى الخلف قليلا، وأجابني متبسما، ملوحا بسبابته يده اليمني: "لا.. أقصد فارغي الرؤوس" !! ثم استطرد: "أسمع يا أستاذ، ذات يوم اتصل القذافي بعمر المنتصر، وكان وزيرا من وزرائه.. طالب منه احصائية دقيقة عن عدد الحمير والبغال الموجودة في ليبيا.

كان ينوي، كما اخبرني المنتصر، حل مشكلة ازدحام السيارات بطرابلس بهذه البهائم ! قل لي يا أفندي: "الجماعة التي تقتنع بمثل هذه الأفكار تكون حاسرة الرؤوس أم فارغة الرؤوس؟". أجبته ضاحكا مناكفأ: "حاسرة! لأن حل مشكلة الازدحام المروري بالبغال، هي على كل حال، حلا من الحلول". قال: "قس على هذا الحل، الحلول التي نسمعها يوميا لمشاكلنا الحالية، وستعرف أنه لا علاقة بالشناني، أو حاسري الرؤوس بمأزقنا". رشفت من فنجاني، راسما ابتسامة، وصمتُ متطلعا إلى حكاية أخرى من حكاياته الشائقة.

هذه مقالة نشرتها قبل ثلاثة أعوام، قبل أن يرحل عنا؛ ومنها كلما سمعت من يترحم عليه أتذكر دفء وعمق حكاياته، وأتذكر أنه في جلسة ضمت عددًا من المهتمين بالشأن الوطني، كانوا يتحدثون عن تجربته حسبما وردت بكتابه بين الإرادة والأمل- حتى أن إدريس المسماري قال مثل هذه التجربة العصامية ينبغي أن يتضمنها منهج التربية الوطنية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات