التأثير الخفي للآيديولوجي والسياسي على الفكر

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

تكشف الدراسات الحديثة في الإنسانيات عن الصلات الخفية، ولكن الوثيقة، بين الآراء الدينية والفلسفية والأدبية والأطروحات الاجتماعية والكتابات التاريخية إلخ، من جهة، والمناخات الآيديولوجية والسياسية والمصالح المختلفة للطبقات والفئات الاجتماعية المتعارضة، المتصارعة أحيانا، في الفترة التاريخية التي طُرحت فيها تلك الآراء، من جهة أخرى. بحيث يفاجأ الكثيرون منا بأن كثيرا من المسائل التي كنا ننظر إليها باعتبارها مجرد اجتهادات منزهة عن الغرض، غرضية في جوهرها.

وسنأتي بأمثلة قليلة من تاريخنا الإسلامي والعربي.

من ذلك ما حدث للإمام مالك بن أنس (93 هـ/ 711 م - 197 هـ/ 795 م)، صاحب المذهب السني المعروف، بسبب فتواه ببطلان طلاق المكره، القاضي بأنه إذا أكره زوج على تطليق زوجته وتلفظ بيمين الطلاق ووفق الإجراءات المعمول بها فإن هذا الطلاق يعد باطلا لانتفاء النية والإرادة الحرة منه. فتم التنكيل به حيث جرد من ملابسه وضرب بالسياط وجذبت يده حتى انخلعت من كتفه وعذب عذابا شديد بأمر من الخليفة العباسي حينها أبي جعفر المنصور (95 هـ/ 714 م - 158هـ/ 775 م) الذي تولى الخلافة منذ سنة 136 هـ/ 754 م حتى وفاته، عقابا له على هذه الفتوى المتعلقة بأمر فقهي داخل في الشروط الشرعية للطلاق!.

فما السر في هذا؟
فسرت السلطة آنذاك هذه الفتوى على أنها تحريض على العصيان والثورة لأنها تنطبق، ضمنا، على بطلان بيعة الخليفة أبي جعفر المنصور التي كانت تؤخذ بالإكراه!

ويبدو أن الإمام مالك لم يكن منزها عن الغرض في إطلاقه فتواه هذه، لأنها تزامنت مع خروج محمد بن عبد الله بن حسن العلوي الملقب بالنفس الزكية على المنصور، ومطالبته بالخلافة لنفسه، وكان في المدينة، وذلك سنة 146هـ. حيث ورد "أن مالكا اُستفتي في الخروج مع محمد النفس الزكية وقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين" (1)

مثال آخر يرتبط بالفقه الإسلامي وأصوله هو أيضا ويتعلق بتأثره بالنزاعات السياسية والمذهبية السارية والفاعلة في العالم الإسلامي وقتها، وهي تلك الأطروحة المتصلة بعصمة الصحابة إذ "الظاهر أن ما يقف خلف تعظيم شأنهم [من قبل علماء الدين] رؤية مثالية تنزيهية تتخذ من التعديل [نسبة إلى العدل] الكلي والمطلق لهم سبيلا إلى مواجهة مبدأ عصمة الأئمة عند الشيعة" (2).

كما أن سلب العبد أهلية الشهادة يدل على "أن الفقيه الذي يدافع عن هذا الموقف كان ينطق باسم طبقة الخاصة والأسياد التي يلائمها استمرار الوضع الاجتماعي القائم على التمييز بين الطبقات ولذلك فهو يسبغ المشروعية الدينية على هذه المسألة والحال أنه لا يوجد إجماع بين العلماء عليها من ذلك قبول علماء الحنابلة والظاهرية شهادة العبد أصلا من أصول مذهبهم" (2).

هذا النقد القائم على الوعي بتأثير الدنيوي على الديني "ليس وليد العصر الحديث؛ فقد برز منذ القرون الأولى للهجرة وتجلى من خلال الفرق أو العلماء الذين أنكروا حجية بعض الأصول بسبب قيامها على تصورات نخبوية إقصائية لغير السنيين". وفي هذا السياق "يمكن أن نعد إبراهيم [بن سيار] النظام المعتزلي من أهم النماذج التي تمثل هذا الاتجاه النقدي فقد أنكر حجية كل الأصول ما عدا القرآن [...] فقيمة القيم عند النظام هي الإيمان بقدرة العقل البشري لذلك فكل ما يناقض معطيات العقل والمنطق السليم يعد في نظره مرفوضا" (2).

المثال الثالث والأخير نأخذه من عالم الأدب، وتحديدا من رواية شعر ما قبل الإسلام. فقد أشيع عن خلف الأحمر، الراوية المعروف، أنه امتلك قدرة فائقة على تأليف الشعر بمناخات ولغة فترة ما قبل الإسلام، فكان يؤلف الأشعار وينسبها إلى شعراء من هذه الفترة. ولكن يعتقد أن "عدم انصياع العالم الراوية خلف الأحمر لرغبات الخلفاء العباسيين وأمرائهم، ورفضه مدحهم وحضور مجالسهم" (3) هو الذي كان وراء تصدي بعض الرواة له "فأخذوا على عاتقهم تشويه سمعة خلف الأحمر ومكانته وتقديمه على خلاف حقيقته" (3).

تكشف هذه الأمثلة، وغيرها، بجلاء، أن السياسة والآيديولوجيا والميول الدينية والمواقف الاجتماعية، متغلغلة تغلغلا خفيا بالفقه والكتابة التاريخية والفلسفة والتقييمات الأدبية.
(1) نقلا عن:
https://www.maghress.com/attajdid/9210
(2) حمادي ذويب،إشكالية منزلة الأخلاق في المدونة الأصولية الفقهية، تبيُّن للدراسات الفكرية والثقافية، ع 22- المجلد السادس - خريف 2017
(3) أ. د. عبد اللطيف حمودي الطائي، لامية العرب بين النفي والإثبات،العرب: مجلة تعنى بتاريخ العرب وآدابهم وتراثهم الفكري، أوكتوبر - نوفمبر 2017.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات