ثمانون أمين مازن

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
أمين مازن من مواليد 1937، وهذا عامه الثمانون تعددت مساربهُ لكن النهج واحد، تنوع في الاهتمامات غير أن الكتابة الوسيلة والثقافة الشغل، والنهج تقدمي وطني.

تتالت العقود ولم يألُ جهدا في الكتابة في الثقافة وعلى الخصوص النقد الأدبي وفي السياسة ومنها المسألة الليبية، من صحيفة إلى صحيفة ومن أسبوع إلى آخر، رصد المشهد الثقافي العربي، خاصة الليبي، متأملا فيه ناقدا مساراته، ولج مساربه بمحبة ودون تردد، ما كتبه مرجعٌ في ليبيا لكل باحث، ومنير لكل مستنير، وإن لم يسلط عليه أيما ضوء فقد كان الضوء لكثيرين.

أما الاختلاف فهو من يحرس على المختلفين معه قبل أن يحرص على رأيه فيهم، ولذا تكللت حياته ومساربها المتعددة بالعروة الوثقى في الوسط الثقافي والسياسي، فقد وثق مساره مع منتقديه بقدر ما أنه ناقد. وإن تنوعت وتعددت كتاباته فقد انشغل بكتابات الآخرين ومنهم الكتاب الليبيون، وخاصة المبتدئين منهم، معتبرا الصحافة المكتوبة خير أداة ثم سرعان ما أولج قلمه في الرقمية وجعل له موقعا في الانترنت خاصا، إلى جانب صفحة على الفيس بوك والتويتر منذ عقد من الزمان.

التدوين ديدنه هو الأستاذ في المشافهة والمتحدث المحترف، فالتدوين مسألة أساس في المبنى الثقافي والمعنى منذ مبتدئه الخبر في جملته المكتوب، مقالاته تنساب وكتاباته تتنوع في جُلِّ الصحف السيارة خاصة الليبية منها من الخمسينيات حتى الساعة، والكم في تقديره مُكنة أن يكون ثمة الكيف، لأنه في اللحظة الراهنة ثمة مسائل ومعطيات تستدعي الخوض في غمارها، حتى وإن لمس يمسس سطح المسائل فإنه يثيرها ومن ذا يمكن له سبر غورها، فالوقت كما أنه سيف فإنه ينضج الثمر حين يكون ثمة ثمرة ما. لذا لم يتكاسل ولم يؤجل ولا انشغل عما يجب حيث يجب الذي يجب.

2-
لم يهتم كثيرا بالنص ولا بالجملة، يُعنى بذلك لكن مُراده القول/ الموقف، المعنى المثقف العضوي فاللحظة الراهنة جملتها فعلية ونصها للكلمة التي كانت البدء، هو من جيل المُعاناة والاعتناء بالعلم والتعليم والتجويد فيهما: حصد ما زرع. حينها معنى الحياة أن تكون من اليسار ليتيسر أن تفعل لا القول فحسب، جيل لم يلتفت للطريقة لكنه ألزم نفسه بالطريق. كانت الطريق المناسبة عند أمين مازن أن نكتب وتكتب ما يجب الكتابة، الكتابة في ذاتها الطريقة إلى حياة أفضل ما تلتزم التحقق، فأن تخطيء لأنك فاعل خير من أن تصيب وأنت اسم : مبتدأ دون خبر...

عاش وتربي وتعلم في مدرسة "المختار" والده المتدين المحافظ وإن أضحى متمردا على الكيان الاجتماعي السكوني حينها فإن وجدانه لم يتمرد عن الوالد "المختار"، وهذا ما سيج خياراته من أي شطط فالتوازن يحافظ على النغمة من النشاز كذا مسار أمين مازن ومساربه.

الوحدة لا التوحد ما يعني التعدد لا الشطط، مسارب اتخذها علامات للتوسط في الفكر وفي اليسار وفي الطريقة وعند لزوم ما يلزم. وهذا جعل دأبهُ وحركته الدؤوبة وكتاباته محط نقد ورأي مختلف معه لكن لم يؤدِ ذلك للمغالاة عنده ولا ضده.

ما ليس بالإمكان لا يُترك كله فثمة دائما ممكن. نهج وطريقة جعلاه يخطو الخطو تلو الخطوة لا تردد، ولكن بمراجعة حثيثة وملزمه. أمين مازن لا يحُث الخطى ولا يستكين ولا ينتظر القبول ولا يثير الأغبرة كي يُرى، لذا لا يركب المركب الرائج ولا المتسارع فهو يروز ما يقول ويفعل ما يقول حين يَلزم: أن تمشي فإنك لا بد أن تتعثر، مجمل القول وحكمته.

3-
حين عرفتهُ عندئذ أمين مازن الكاتب يعمل في مطعم له اسمهُ "الاصفهاني" بطرابلس الغرب، لتوه خرج من سجون القذافي إثر مذبحة سماها الزعيم! الثورة الثقافية في أبريل 1973م، كان وغيره خرجوا من السجون مُبعدين بشكل ما عن وظائفهم السابقة.

قبل التقيته بندوة ثقافية بجامعة طرابلس، بعد غدا الصديق، حينها الكاتب الليبي الذي لا ينشر لكن يكتب ويقرأ ما يُكتب باهتمام كما يجب. خلال نصف قرن تقريبا تابعته ككاتب لا يملُّ ولا يكلُّ وفي هذا هو عملة نادرة.

الآن بعد ذلكم الدأب كما لو أنه في مبتدئه في الختام المسك للعقد الثامن.

أمين يكتب، يحاضر، ينشر عبر الانترنت، هو في الضوء كاتب يدون الرأي في المسائل وفي المسألة الليبية المجد. لا يلتفت إلى الوراء فقد أخذه غد البلاد فغد الابداع عن الأمس، أمسى يفكر ويتفكر في المستقبل، مُستقبلا الجيل لصاعد، ومفكرته مليئة بمن وما لم يولد بعد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات