خوض الرهانات: بمناسبة رحيل المناضل عبد الحميد البشتي

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

من مدينة الزاوية، غرب طرابلس بحوالي 40 كيلومترا، إلى العاصمة الإيطالية روما مباشرة، بداية النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين.

مدينة الزاوية تغلب عليها، حينها، الصبغة الريفية، إلا أنها حظيت بطبقة ارستقراطية دينية، مالكة للأراضي، تمتعت بقدر من اليسر ودرجة من الاستنارة، داخل الإطار الديني العام، مكناها، منذ أمد طويل، من إرسال أبنائها للدراسة في الأزهر، وهذا أتاح للعديدين منهم تقلد مناصب الكتبة والقضاء الشرعي والإفتاء، ومع بداية خمسينيات القرن العشرين أرسلوا بعض أبنائهم للدراسة في الجامعات المصرية، خصوصا كلية الحقوق، فانخرط بعض هؤلاء الأخيرين في سياق الحراك السياسي النشط بمصر، خاصة التيارات اليسارية. وقد تمكنوا بعد عودتهم إلى مدينتهم من إحداث شرخ في بنية طبقتهم الاستقراطية ذات الطابع المحافظ، مثلما سبق أن أشرنا.

نتج عن ذلك أن تصبح مدينة الزاوية مدينة ينشط فيها حراك ثقافي وسياسي يجتذب المثقفين والمهتمين بالشأن الاجتماعي والوطني والقومي والعالمي.

وبذا، فحين ذهب عبد الحميد البشتي إلى روما سنة 1966*، موفدا من قبل الدولة الليبية باعتباره طالبا متفوقا في الشهادة الثانوية، ليدرس الهندسة، كان مشبعا بهذا التراث وهذه الخلفية الواضحة في مدينته وطبقته وداخل أسرته، فأخواه الكبيران غير الشقيقين كانا أول شخصين من مدينة الزاوية يذهبان إلى الجامعة (بداية الخمسينيات، قبل إنشاء الجامعة الليبية سنة 1957) فالتحق أحدهما بكلية الحقوق والثاني بكلية الاقتصاد في مصر وتأثر كلاهما بالفكر الماركسي.

لنا أن نتصور روما أواسط ستينيات القرن العشرين، حيث كانت أوساط الشباب في أوروبا كلها تمور بحركات التمرد الاجتماعي والرفض السياسي ذات التوجه الوجودي واليساري العامين.

في هذا المناخ، وبهذا التكوين الذهني والفكري، تم اجتذابه إلى مجموعة ماركسية تروتسكية تسمى "الأممية الرابعة" قادتُها ومنظروها من أمريكا اللاتينية، فأخذه الحماس وترك الدراسة متفرغا للسياسة.

كان عبد الحميد من النوع النشط الذي ينخرط في عمله بحماسة واجتهاد. فصار يترجم منشورات الحركة إلى العربية ويطبعها وينشرها باسم "التروتسكيون العرب" الذين لم يكن، عمليا، موجودا منهم سواه.

أرسلته الحركة إلى سوريا، فاعتقل هناك وقضى فترة قصيرة في سجن "المزة" الشهير.

عاش مع الفدائيين الفلسطينيين في أحراش الأردن حيث التقى بنايف حواتمة وجورج حبش وصادق جلال العظم وغيرهم، وكان خطه الفكري والسياسي أقرب إلى نايف حواتمة منه إلى جورج حبش.

ذهب إلى اليمن الجنوبي وقابل القيادات المهمة، من مثل عبد الفتاح اسماعيل، ودرَّس في مدرسة الكوادر هناك. كما زار الجزائر وعواصم عربية أخرى.
حاول بناء فرع للأممية الرابعة في ليبيا، لكن الظروف لم تساعد على ذلك.

كل هذا، يا عبد الحميد وأنت لم تتجاوز الواحدة والعشرين!

لكن يبدو أن جيشان الحماس الدائم والانخراط المضني في العمل قد ضغطا كثيرا على طراوة عمره ورهافة روحه، فأخذت تعتريه نوبات من التوتر النفسي القوي بين الحين والآخر.

سنة 1971 سافر إلى أمريكا موفدا من قبل شركة الواحة النفطية لدراسة الطيران، وعاد بداية سنة 1973 ليعتقل يوم 19 أبريل 1973 ويخرج من السجن في 3. 3. 1988 في ما صار يعرف بـ "أصبح الصبح" بعد أن قضى فيه حوالي خمس عشرة سنة.

عشتُ مع عبد الحميد البشتي في السجن حوالي سبع سنوات، كان شخصا هادئا مسالما، رحب النفس واسع الأفق حاد الذهن. وكان ينطوي على ثقافة عميقة في الفكر السياسي والفلسفي، وبالذات في الفكر الماركسي وتاريخ الحركة الاشتراكية في العالم.

وها هو قد استقال من الحياة وقد أحبطت كل توقعاته وأماله وأحلامه المتعلقة بمستقبل الوطن والأمة العربية والعالم. لكن قدر المناضلين أن يخوضوا الرهانات التي قد تنجح جزئيا أو كليا، وقد تخيب بالكامل.

أذكر أنه قال ذات مرة ما مؤداه: لقد كانت النازية زمن هتلر شاملة في ألمانيا ومطبقة عليها، بحيث كان يبدو للغالبية أنه لم يعد ثمة من خلاص، لكن كان ثمة أناس يتعلقون بالمستقبل ويناضلون.

* لا بدَّ أن أعرب عن امتناني البالغ للصديق عبد الفتاح البشتي، ابن أخت الراحل والذي كان رفيق سجنه في نفس القضية، على المعلومات الموثوقة التي أمدني بها والتي لولاها ما كتب هذا المقال.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات