أصحاب المسامير

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

تشكلت الطائفة الزيدية المنشقة عن الشيعية التقليدية في مطلع القرن السابع الميلادي، عندما جرى اختيار الإمام الخامس زيد بن علي حفيد الحسين، بخلاف بقية الشيعة، وهي الطائفة الشيعية الأقرب إلى السنة، والأكثر اعتدالا، فهي تقبل بالخلفاء الثلاثة وتحترمهم وإن كانت ترى أن عليا كان أجدر منهم بالخلافة، ويعتبرون الزيدية هي المذهب الإسلامي الخامس، فهم يصلون مع السنة في نفس المساجد، ولا توجد سوى اختلافات شعائرية قليلة، وإن لم يمنع كل هذا نشوء نزاعات سياسية حادة بين الطرفين، الزيديين والشافعيين.

لم تكن الزيدية طائفة موحدة، فمنذ استشهاد زيد أخذت العديد من الفرق تظهر، بين متشددة فيما يخص نظرتهم إلى باقي الخلفاء الراشدين وبين معتدلة، ووصل عدد هذه الفرق المنشقة عن الزيدية إلى ثمانين فرقة، منها الجروديون، السليمانيون، البطرية، النعيمية، اليعقوبية، وغيرها كثير، وبقيت الناصرية هي الفئة الغالبة في شمال اليمن، والتي أقامها العلوي الهادي إلى الحق عند قدومه من الحجاز في أواخر القرن التاسع ميلاديا، حيث استولى على مدينة صغيرة وبدأ صراعه مع الإسماعليين الذين يشكلون القوة المنافسة، عبر الحصول على ولاء العديد من القبائل اليمنية، وقد صادف هو ومن خلفه تقلبات عديدة بسب تقلبات العشائر والقبائل التي تتصرف وفق مصالحها، والتي لم تكن تتردد في تسمية أئمة حسب هواها، وشهد شمال اليمن، خصوصا، فترات طويلة من عدم الاستقرار والفوضى بسبب تناحر القبائل والأئمة المتنافسين، وحدثت ثورات قبيلية هامة في العقد العشريني من القرن العشرين قمعتها جيوش الأئمة بشكل دموي، ولبسط سلطتهم المنبثقة عن الشرعية السلالية قَبِل سكان اليمن القحطانيون سلطة الأئمة الذين أدعوا أنهم قحطانيون، وحيث شكل النسب من طرف النساء قيمة أقل في الذهنية العربية.

هكذا عاش الزيديون قرونا من الحروب والمنازعات في اليمن طبق التوازنات الاجتماعية المتغيرة، وولاءات القبائل اليمنية المتقلبة، وصولا إلى حروبهم الأخيرة تحت زعامة الحوثي المتأثر بالفكرة الخمينية ضد الرئيس صالح، الذي انتهى تحالفه معهم بعد عزله من السلطة بمقتله على أيديهم، لكن التاريخ يفسرهم كقوة براجماتية تشكل التقية، التي تجعلهم لا يتورعون عن التقلب المستمر والتحالف مع الشيطان، ليكونوا، مثل حزب الله في لبنان، مسمارَ إيران المعلق في غرفة اليمن.

في كتابهما: سياسة وأقليات في الشرق الأدنى، يتحدث لورانت شابري، وآنّي شابري، عن اقتحام الزيديين لأراضي الإسماعليين في معركة أسموها كاسورا. عن طريق الجوجل عثرت على حقيقة مثيرة، تتعلق بأصل اسم هذه المعركة، حيث يذكر المؤرخ: أيمن سعيد، المهتم بتاريخ اليمن، أن اسم هذه المعركة: قسورة. ويبدو أن الدكتور ذوقان قرقوط الذي ترجم المرجع المذكور نقل اسم المعركة كما كتبت بالحروف اللاتينية.

بعد زوال أربعة حكام عرب جراء الربيع العربي ــ بالهروب على متن طائرة، أو بالتنحي والبقاء أمام المحاكمة، أو بالتنحي لنائب الرئيس والتمتع بحصانة ضد الملاحقة، أو بالقبض على الحاكم وقتله بشكل يعيدنا إلى ثورات القرون الوسطى ــ اهتمت وسائل الإعلام والمحللون بطبيعة هذه الثورات بشكل ملحوظ، إلا الثورة اليمنية التي ابتلعها النسيان مبكرا، كي تعود اليمن من جديد إلى الخبر الأول بفعل حرب أهلية أشعل فتيلها الحوثيون، ومن ثم النهاية التراجيدية لعلي عبدالله صالح الذي كان تحالفه مع الحوثي آخر رقصة له على رؤوس الأفاعي، كما كان يصف حكم دولة مثل اليمن.

كانت الثورة اليمنية عظيمة بكل المعايير رغم فقر التعامل الإعلامي معها، حشود من المظاهرات السلمية في مجتمع يكاد لا يخلو فيه بيت من سلاح متوسط أو خفيف، لكن كما يقال نصف ثورة يعني الانتحار، وقبل اليمنيون بنصف الثورة لأن اليمن الفقير لم يكن مغرياً للتدخل الدولي، ولأن وضعه الاقتصادي لا يتحمل المزيد من التصعيد، ولأن تنظيم القاعدة متربص بقوة في الجنوب، وبتدخل إقليمي اختصروا الثورة وفق المبادرة الخليجية التي لم تنتبه لتربص آخر بالمسار الديمقراطي من قوى خاضت ستة حروب مع النظام السابق.

نصف ثورة أدت إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر بفعل قوى دينية متطرفة تعتبر نفسها أقلية رغم أنها تصل إلى نصف المكون للمجتمع اليمني المقسم بين الشافعية والزيدية. وثورة كاملة في ليبيا اجتثت النظام، لكن طبيعتها المسلحة أفضت إلى حرب أهلية أشعل فتيلها فصيل سياسي ديني أيضا، يتلقى أوامره ودعمه من قوى إقليمية.

ولم يكن مصادفة، وفي توقيت متزامن، أن يجتاح مقاتلو الدولة الإسلامية أكبر المدن العراقية، وأن يجتاح الحوثيون أكبر المدن اليمنية بما فيها العاصمة صنعاء، وأن يجتاح مقاتلو فجر ليبيا بعض مدن الغرب بما فيها العاصمة طرابلس. لم يكن مصادفة أن يتم هذا الاجتياح في نفس التوقيت، وبصمت من القوى الكبرى التي بدأت ترسم مسار الربيع العربي وفق مصالحها ووفق ما بشر به منظروها ، كيسينجر وبريجنسكي وكونداليزا رايس، فيما يخص الفوضى الخلاقة وخلخلة التركيبة السياسية والطائفية في الشرق الأوسط لرسم خارطة جديدة.

البعض كان يسمي جماعة فجر ليبيا حوثيي ليبيا، والبعض يسمي حرب الحوثيين قسورة اليمن. ثمة تشابه بما يحدث هنا في ليبيا التي لا يأتي منها جديد وفي اليمن غير السعيد، الانقلاب على الشرعية، احتلال العاصمة ومدن أخرى، شروط الحوار المستحيلة، محاولة السيطرة على المناطق النفطية. كثيرة أوجه الشبه، فقط ما يختلف هم أصحاب المسامير.

الحوثيون مسمار إمبراطورية الفرس القديمة، مثلما كانت معركة فجر ليبيا مسمار الإمبراطورية العثمانية القديمة. أما أصحاب المزامير فيباركون كل المسامير المدقوقة في غرف هذه الأمة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات