ماذا بعد صدمة ترامب؟

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

نعم، ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. نظرياً كلام رائع، لكن واقعياً يجب أن نعترف بأننا كعرب، قضينا عقوداً مثل النعامة، تخفي رأسها في التراب، وتنسى أن كامل جسدها عار ومكشوف تماماً للأعداء، فهل حان لنا أن نتحلى بالشجاعة ونعترف بواقعنا الأليم، قبل أن تضيع القدس، كما ضاعت الأندلس من قبل؟.

بالفعل، لا أحد ينكر مدى الصدمة، التي عشناها جميعا، في أعقاب قرار الرئيس الأميركي ترامب بخصوص القدس، وما سيترتب عليه من تغيير شامل في مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، وبعد أن ذهبت الصدمة، هل حان أن نبحث عن الفكرة؟.

بنظرة سريعة على مراحل الصراع مع المحتل الإسرائيلي، يتبين أن حالة الرفض والاستنكار التي تعترينا في أعقاب كل صدمة، لم تكن يوما مجدية، ولم تغير من موازين القوة لصالحنا أبداً، بل العكس تماما، كرست الواقع وجرأت الخصم علينا، ففاجأنا بضربات أخرى، كانت أشد قسوة وأكثر ألماً، ومن كثرة وتعدد هذه الصدمات، لم نعد نصاب بالدهشة، وبدأنا في الاعتياد على النكبات، بل والتعايش معها.

«يجب أن نغير من منهجنا شعوباً وحكاماً، فنتوقف تماما عن الكلام، ونبدأ فوراً فتح صفحة جديدة من الفعل»

فمن كارثة النكبة عام 1948، وظهور دولة إسرائيل، ورفض العرب، مبدأ حل الدولتين، إلى نكسة 1967، وما ترتب عليها من احتلال القدس والضفة وغزة وسيناء والجولان في ضربة واحدة، بدأنا مسيرة الرفض، ثم استيقظنا على الهزيمة النكراء، وواصلنا الرفض، إلى أن أضاء نصر أكتوبر ظلمة البيت العربي، ثم جاءت معاهدة السلام المصرية، وما دعت إليه من حكم ذاتي هزيل للفلسطينيين.

بعدها قرر البعض اللجوء إلى خيار المقاومة وأكملنا الرفض، ثم تبددت الحقوق العربية، وبمرور الزمن ضاعت الأرض قطعة قطعة.

أسباب هذا الضعف عديدة، أهمها هوان العرب قادة وشعوبا، أمام عدو شرس مدعوم ومحمي دوليا، واستمر مسلسل الرفض العربي، في حين أن هذا الرفض لم يستند إلى أية قوة تحميه ولا خطة تخضع الخصم ولا قادة شجعان يحملون المسؤولية بأمانة وصدق.

وتوالت الصدمات حتى أصيب الإنسان العربي، بنوع من البلاهة، لدرجة أنه تعايش مع مشاهد قنص وقتل الأطفال الفلسطينيين بشكل ممنهج ويومي على أيدي الجنود الصهاينة، حتى أصيبت مشاعره بالبلادة.

كل هذه الصدمات لم توقظ في العرب أية نخوة، ولم تحرك فيهم مشاعر الغضب الحقيقية، ثم انتقلت هذه المشاهد من فلسطين إلى العراق ومن العراق إلى سورية ومنها إلى كل من اليمن وليبيا، ووصل الأمر ببعض الشعوب أنها تحمد الله لنجاتها من المصير الذي وصل إليه حال الأشقاء في تلك الدول!.

ثم جاء قرار ترامب الأخير بشأن القدس، طبعاً غضب ومظاهرات وتنديد واجتماعات طارئة وأخرى شاجبة، لكنها جميعاً لم تخرج عن قاموس العرب التقليدي المعروف بـ الجعجعة بلا طحن، فهل سيتراجع ترامب عن قراره، وهل تتغير طريقة القادة العرب في التعامل مع المحن والنكبات؟.

إذن.. ما الحل؟. أتصور أننا يجب أن نغير من منهجنا شعوباً وحكاماً، فنتوقف تماما عن الكلام، ونبدأ فوراً فتح صفحة جديدة من الفعل، وألا ننتظر حتى يباغتنا الخصم كالعادة بصدمة جديدة، تهز ثقتنا في أنفسنا، وتشعرنا كالعادة، بالضعف وقلة الحيلة، وأن نبدأ في التعامل مع الأمر الواقع، بعد أن ندرس إمكانياتنا الفعلية، وقدراتنا الحقيقية، لا الوهمية ولا الافتراضية بحيث نضمن الحد الأدنى من احترام العالم لنا، وقبل وبعد ذلك احترامنا لأنفسنا.

هذه ليست دعوة للاستسلام واليأس، بل العكس، فهي دعوة إلى وقفة صادقة مع النفس، نراجع فيها قدراتنا وإمكانياتنا استعدادا لما هو قادم

في الماضي جربنا كثيراً، الأسلوب العنتري في الرفض والشجب، والاستنكار، وتبين بالبرهان أن هذا الأسلوب لم يجلب لنا سوى المزيد من الخنوع، والخزي والخسران.

هذه ليست دعوة للاستسلام واليأس، بل العكس، فهي دعوة إلى وقفة صادقة مع النفس، نراجع فيها قدراتنا وإمكانياتنا استعدادا لما هو قادم، وأن نسلح شعوبنا بالعلم والمعرفة ونصحح أخطاء حكوماتنا، وننهي القطيعة القائمة بيننا وبين الديمقراطية، والعدالة والتداول السلمي للسلطة.

فلو نظرنا بتفحص إلى عدونا، نجده لا يزيد عن بضعة ملايين، لكن قدراته تفوق قدرات العرب مجتمعين، ولم تشغله حروبه العدوانية المستمرة، عن تطبيق قواعد الديمقراطية والأخذ بأحدث وسائل العلم والمعرفة الحديثة، فمن العدو يمكن أن نتعلم الدرس.. إذا كان لدينا فعلاً رغبة في علاج أمراضنا العضال، يجب أن نحرر البشر، من قيود وأغلال الأنظمة الفاسدة، حينها، سيفكر ترامب وأمثاله من المهاويس مئة مرة قبل أن ينتهكوا حقوقنا في القدس أوغيرها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات