ما بعد داعش: ليبيا 2017 نهاية عالم!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
الحقيقة الليبية المُغيبة الأولى أن ليبيا بلاد الجغرافيا قبل وبعد أن تكون للتاريخ، ولقد برز وضعها هذا خلال هذا العام فيما يخص مسألة الهجرة، ما توج في فلم أمريكي لمحطة CNN حول تجارة العبيد!، ويوضح المفكر الليبي عبد الله القويري في الكتيب/ الرسالة "معنى الكيان" المسألة الجيوليبية بأن ليبيا عبر أحقاب التاريخ: الممر. ورغم ما يظهر على السطح من أن الصحراء الليبية من معوقات الحياة، فإن توينبي يؤكد على أن هذه الصحراء عبارة عن سلسلة جزر معزولة ببحر الرمال: الواحات، التي جعلت أب التاريخ هيرودوت يقول جملته الشهيرة: من ليبيا يأتي الجديد.

أما الحقيقة الليبية المُغيبة الثانية فإنها تكاد تكون مبنية عن الحقيقة الأولى، وهي أن تأسيس الدولة الحديثة -الاستقلال 24ديسمبر 1951م- جاء مُستبعدا للجيش كضرورة وركيزة في بناء الدولة، كما في تونس ولبنان مثلا. ويستخلص المفكر صادق النيهوم من التاريخ الليبي خاصة في مرحلة الجهاد ضد المستعمر الإيطالي مفهوما للجيش اتخذهُ العقيد معمر القذافي ولخصه في شعار "الشعب المسلح". حيث خاض الليبيون معاركهم ضد الطليان فيما عرف بـ "الأدوار" التي هي عبارة عن رباط لتجمع من الأفراد من كل قبيلة على حدة مثلا "دور قبيلة البراعصة" وهلم. وقد وكد مصطفي بن حليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق في مذكراته "صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي": أنه أثناء زيارة رسمية إلى بريطانيا في نهاية يونيو 1956م تم الاتفاق بعد مفاوضات مع الحكومة البريطانية على زيادة حجم القوات المسلحة الليبية إلى خمسة آلاف مقاتل. وفي دراسة مطولة لي وضحتُ أنه: "... إذا كانت المملكة الليبية التي عانت من مشكل الوراثة قد أسست قوى أمنية لحمايتها "القوى المتحركة" في مواجهة الجيش الصغير المهمل، فإن "الديكتاتور الليبي" عدَ العُدة بـ "كتائب أمنية أفقية" عُدة موازيةٌ للجيش المُضمحل قادتُها يتبعون مباشرة القذافي". وهذه الكتائب هي ما شكلت البنية التحتية للمليشيات التي سادت وانتشرت على الأرض فيما بعد وشكلت المعضلة الرئيسة في المسألة الليبية. - (ليبيا في مهب الريح -كتاب التطورات السياسية في البلدان العربية 2011 – تأليف جماعي).

وهكذا بالإضافة إلى الإرادة السياسية فإن الحقيقة الليبية الرئيسة الجغرافيا مكون رئيس في مشكل رئيس: غياب جيش ومن ثم انتشار المليشيات، وهذا الغياب والحدود المترامية للجيوغرافي ما يقارب 8000 كلم جعل من ليبيا ممرا سهلا وخصبا لمشكل الهجرة ما مثل القضية الدولية ووجد الإرهابُ المسارب سهلة للانتشار ما مثل القضية الإقليمية، وساهم في جعل ليبيا دولة فاشلة في العرف الدولي.

2-
خلال عام 2017م تم التركيز دوليا على مشكل الهجرة من خلال ليبيا ووضع المهاجرين فيها، فيما بقيت معضلة الجيش كمشكل رئيس في داخل البلاد التي تقريبا أنجزت مهمة دحر الإرهاب. وهذه هي الأقانيم الثلاث الأهم التي كانت على الطاولة خلال هذا العام.

أولا: الأوضاع الليبية المحلية
أ-على المستوى الأمني في شرق وغرب ليبيا تم إنجاز كبير، حيث تم الإعلان عن تخليص شرق ليبيا على أيدي الجيش الذي تكون في الشرق بقيادة المشير خليفة حفتر باستثناء جيب درنة الذي يبدو أنه تحت السيطرة، فيما في غربها تكون "جيش غير معلن"! ساهم مع القوات الجوية الأمريكية في دحر الإرهاب في سرت وصبراته، كذلك في طرابلس الكبرى ساهم هذا الجيش غير المعلن في السيطرة على الأوضاع الأمنية. وهذا الجيش كما أرى يمثل قوى أمنية كبرى تكون – دون إعلان- من دمج القوى الرئيسة مليشيات مصراته والثانوية مليشيات من مدينة طرابلس ومحيطها. ولعل المسئول الأمني في بعثة الأمم المتحدة (باولو سيرا) ساهم بدعم إيطالي ومناصرة بريطانية في هذا التشكيل الذي يشير إليه أحيانا بالحرس الرئاسي.

وهذا الإنجاز الأمني على الأرض لا يعنى أنه أنجز المهمة في البلاد، ثمة جيوب لكن الأوضاع عامة في ليبيا كما يلاحظ المتابع تحت السيطرة. وعلّ لقاءات القيادات العسكرية الليبية هذا العام في القاهرة، تُؤشرإلى أنه بات في ليبيا قيادات قوية في غربها وشرقها يُمكنها أن تلتقي وتبحث في المسألة العسكرية الأمنية.

ب- على المستوى السياسي لم تزحزح خلال عام 2017م معضلة الجيش التي من الواضح أنها معضلة رئيسة، لكن غيره في المسألة السياسية - رغم الموت السريري لمجلس النواب- هناك حلحلة عامة خلال هذا العام. فهناك في غرب ليبيا سيطرة واضحة لتحالف السراج والسويحلي رئيس مجلس الدولة، وأنه في هذا الغرب تتجمع قوي سياسية وتبلور مشروعا سياسيا لم تتضح معالمه بعد. كما يمكن ملاحظة أن خارطة الطريق التي تقدم بها المبعوث السامي الأممي - بقدر ما تجد من عراقيل في الظاهر-، فإنها من ناحية أخرى تخلق أرضية لما يتم في غرب ليبيا من بلورة ما لعمل سياسي مازال حتى اللحظة مسكوتا عنه. وخلال الفترة الماضية تتقاطر قيادات سياسية عدة تعيش خارجها أو خارج البلاد على العاصمة.

بهذا يتوضح ببطء تجاوز مسألة الجيش في غرب ليبيا، والذهاب إلى مشروع الانتخابات الذي يلاقي دعما غربيا أوربيا، ومعارضة روسيا التي ترى أن الوقت لم يحن بعد.

ج- إذا أردنا اختزالا فإن ليبيا عام 2017 داخليا في حالة اللا حرب واللا سلم، وهي حالة صعبة وأكثر تعقيدا فما بعد سكوت المدافع تنهض الأوجاع وتعلو آلام الحرب.

ثانيا: الأوضاع الليبية إقليميا في حال الغموض، فخلال عام 2017م هناك تراجع لنتائج اجتماعات دول الجوار الثلاث واتفاق تونس قُبر، أما الجامعة العربية فكأن المسألة الليبية أخرستها، وأنا أكتب الإقليم في صمتٌ مطبق ما يشبه الخرس الذي صاب كتالونيا وأربيل.

ثالثا: الأوضاع الليبية دوليا وهنا مربط الخيل، فالمؤشرات تلوح بملامح ما بعد داعش فالمسألة الليبية على الطاولة، وشريط المحطة التلفزيونية الأمريكية الأشهر CNN عما زُعم أنه تجارة البشر في ليبيا كما بوق حرب، ولقد تسارعت الأحداث في اتجاه قضية الهجرة التي حولت إلى مسألة ليبية من ناحية وأنها المسألة من ناحية أخرى. ومن تفاصيل عدة لهذه الأحداث يبدو أن زيارة السراج لواشنطن الأهم، وقد بينت أن فائز السراج يتم إبرازه كزعيم ليبي محلل لحلّ، في هذا السياق يأتي تصريح ترامب حول أن السراج "حليف استراتيجي". كذلك فإن هذا اللقاء واللقاءات الأوربية الأفريقية في أبيدجان جعلت الإرهاب كما بانوراما لساحة الحرب التي في مشهدها ما قبل الختام. فالتركيز على الهجرة أولا، وثانيا على -"لوكيشن"-موقع تصوير سيناريو الفلم القادم: "ما بعد داعش" في ليبيا.

ليبيا التي أولا الأرض القابلة للتنفيذ فهي في حالة اللا حرب واللا سلم كما أسلفنا، وثانيا لأن الما بعد هذا إقليمي، فثمة أحداث متسارعة في العراق الذي أنهى حرب داعش، وسوريا التي تحولت حروبها إلى طاولة المفاوضات، فاليمن التي غدرت بإله حربها "على عبد الله صالح". ويجيء هذا تقريبا كما ختام في وقت واحد نهاية 2017م لحرب اندلعت أيضا في وقت واحد نهاية 2014م، وقد كتبت مقالة منذ أكثر من سنتين تحت عنوان "2017" ناقشت فيه تصريحا للرئيس الأمريكي السابق أوباما، جاء فيه ما معناه أن مسألة داعش لن تحلحل أثناء فترة رئاسته التي تنتهي بالتسليم لرئيس آخر مطلع عام 2017م.

إن التدخل الدولي في المسألة الليبية جاء مع نهاية العام حاسما ومتسارعا ولعل هذا يفسر شيئا من البكم الذي لحق بالدور الإقليمي، كما أن الإقليم دخل بقوة في حالة ترتيب للأوضاع الأمنية الداخلية ما بعد "هزيمة" داعش في الوطن الذي نشأت فيه.

وتأتيك الأخبار العاجلة بما لم تزود.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات