هل ستفعلها حقا يا فخامة الرئيس؟

عمر الكدي |
عمر الكدي

لم يكن من بين أحلامك أن تصبح رئيسا لليمن، عندما أصبحت جنديا في القوات المسلحة اليمنية، ولم تتجاوز السادسة عشر من عمرك. كانت كل أحلامك أن تساعد أسرتك الكبيرة في بلد فقير، وأن تهرب من مدرسة لا يجيد معلموها إلا ضرب التلاميذ كل يوم، ولم تعبر خاطرك فكرة أن تكون رئيس اليمن عندما أصبحت ضابط شرف في سلاح الدروع، ولم تكن هذه الأمنية من أمانيك وأنت تقاتل في ميدان المعركة في كل حروب اليمن، ولم تراودك هذه الأمنية حتى عندما كنت تهذي محموما بعد أن أصبت بجراح في إحدى تلك المعارك، ولم ترها في أفق خيالك خلال أيام طويلة وثقيلة أثناء حصار صنعاء، ولم تنبثق في ذهنك على شكل أحلام يقظة في جلسات القات الطويلة تحت وطأة قيلولة قاحلة، ولكنها لاحت أمامك مثلما يتراقص السراب على طرقات اليمن، وأنت تحمل فوق كتفيك رتبة مقدم في سلاح الدروع، سرعان ما وجد نفسه نائب القائد العام للقوات المسلحة.

لم يكن لك يد في الوصول إلى هذا المنصب الرفيع. تولت الأقدار والانقلابيون إفساح الطريق أمامك، ومع كل انقلاب يحال كبار الضباط على المعاش، أو يتحولون إلى سفراء في بلدان بعيدة، ففي ظرف عامين استلم مقاليد السلطة ثلاثة رؤوساء اغتيل منهم اثنان، فأصبحت الرئاسة كرسي إعدام مؤكد، وبعد مقتل الرئيس أحمد الغشمي امتنع الجميع عن الترشح لمصير محتوم بمن في ذلك القائد العام للقوات المسلحة، ووسط دهشة الجميع تقدمت أنت، وفي يوم 17 يوليو 1978 انتخبك مجلس الشعب الرئيس الخامس لليمن الشمالي منذ ثورة 26 سبتمبر، وكأنهم يزفونك إلى موت أكيد.

الجميع راهنوا على أنك لن تبقى في المنصب شهرا واحدا، سيفجرونك بحقيبة مفخخة مثلما فجروا سلفك أحد الغشمي، أو يستدرجونك إلى مأدبة عامرة، مثلما استدرجوا الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي قتل ورميت جثته بجانب جثة سائحة فرنسية في بيت مشبوه، أو تجد نفسك منفيا خلال زيارة عمل لإحدى البلدان، مثلما وجد الرئيس عبد الله السلال نفسه منفيا خلال زيارته إلى إلى العراق، ولن يعجز العقل اليمني وهو يستحلب القات على إيجاد طريقة جديدة للتخلص منك، ولكنك بقيت أطول مما ظنوا، وها أنت تحطم كل الأرقام القياسية باعتبارك أطول الرؤساء عمرا في تاريخ اليمن.

وفي يوم 17 يوليو 1978 انتخبك مجلس الشعب الرئيس الخامس لليمن الشمالي منذ ثورة 26 سبتمبر، وكأنهم يزفونك إلى موت أكيد.

بعد سبعة وعشرين عاما حافلة بكل الأحداث داخليا وخارجيا صرح فخامتك بأنك لن تتقدم للانتخابات القادمة، وقلت بكل عفويتك وصراحتك المعهودة «يكفي يكفي ملوا مني»، فهل ستفعلها حقا يا فخامة الرئيس؟ وهل تدرك خطورة وأهمية ما أنت مقبل عليه؟ ستكون بكل تأكيد أعظم رئيس في تاريخ العرب والأمازيغ والأكراد والنوبة والأقباط والتركمان والقبائل النيلية وقبائل دارفور والبجا، وكل من يعيش بين المحيط والخليج، ستكون الرئيس الذي فشل في إنجابه السنة والشيعة والأباضيون والصابئة واليزيديون والدروز، سيكون قرارك هذا ساعة تنفيذه حدا فاصلا في تاريخ هذه الأمة المضطربة، وسيؤرخ بذلك اليوم الاستثنائي، فيقولون سنة كذا بعد الرئيس وقبل الرئيس، وسيرضى كل من ذكرتهم طواعية بأن تكون رئيسهم الفخري مدى الحياة.

سيعلقون صورك في صدر بيوتهم، وسيرمون في القمامة صور بقية الطواويس، سيطلقون اسمك على شوارع وميادين لم ترها في حياتك، وفي مدن وقرى لا تعلم بوجودها. سيهدون لك بيتا في أجمل المناطق بين المحيط والخليج، وسيهدون لك ولورثتك أخصب الأراضي، وسيخرجون للقائك عندما تزورهم متفقدا هداياهم. لن تكون بحاجة إلى حراسة على الإطلاق، المتمسكون بعروشهم في حاجة إلى ذلك، أما أنت فستكتشف وجها آخر للحياة لم تره منذ سبعة وعشرين عاما.

فخامة الرئيس أنت لم تسرق السلطة في ليلة مظلمة بالرغم من أن سلاح الدروع كان تحت سيطرتك. وصلت إليها بشكل شرعي من خلال مفارقات اليمن السعيد، وعندما نقارن بين إنجازاتك وإنجازات بقية الطغاة تتفوق عليهم مجتمعين. هم فشلوا بشكل ذريع في كل محاولات الوحدة والاتحاد والتجمعات، بينما نجحت في توحيد اليمن.

نجحت في تنمية بلد فقير تتجاوز نسبة الأمية فيه 55%، بينما أهدر الآخرون ثروات طائلة، وقادوا شعوبهم إلى الفقر والخراب. راهنت على الحصان الرابح في الحرب الباردة، ومن خلال هذا الحصان تمكنت من تحديث القوات المسلحة، وبناء سد مأرب، واكتشاف النفط، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة رسم الحدود لتوقف أطماع جيرانك في التراب الوطني، بينما راهن غيرك على الحصان الخاسر فكان عليهم أن يدفعوا ثمن هذا الرهان من مستقبل شعوبهم ومن ترابهم الوطني، ومن استقلال قرارهم السياسي، ولعل أعظم إنجازاتك هو الاكتفاء الذاتي من الخضروات والفواكه واللحوم، وهي أمنية لا يستطيع بقية الطغاة تحقيقها.

فخامة الرئيس أنت رئيس ناجح بكل المقاييس، ولعل سبب نجاحك هو بساطتك الشديدة وواقعيتك الحادة، فلم يسمح لك مستواك التعليمي المتواضع بالتحليق في سماء النظريات السياسة، مثلما حلق غيرك في سماء الوهم فكتبوا نظريات جديدة في كل شيء لم يبق منها إلا ما يثير الضحك والغثيان، ولعل سبب نجاحك يكمن في أنك خبرت الحرب في ميادين القتال، وأصبت بجراح لا تزال ندوبها على جسدك فربحت كل الحروب التي خضتها، وتجنبت بمهارة خوض حروب خاسرة، لجأت إلى السياسة عندما لا تجدي البندقية، بينما خسر غيرك كل الحروب التي خاضوها لأنهم لا يعرفون من الحروب إلا غرف العمليات والخرائط العسكرية، ولم يشاهدوا في حياتهم بكل أوسمتهم ونياشينهم إلا مناورات عسكرية بذخيرة غير حية.

فخامة الرئيس حتى ولو كنت تخطط لتوريث الحكم لابنك أحمد كما يروج البعض، فإن قرارك الجريء سيضمن لابنك الحكم ليس بعدك مباشرة، وإنما في المستقبل القريب. سينتخبه اليمنيون رئيسا شرعيا لهم لأنهم يعلمون أن هذه السلالة لا تبقى في السلطة حتى آخر نفس.

سيكون قرارك عند تنفيذه تسونامي آخر تصل موجاته إلى أبعد طاغية في هذه الصحراء. سيحرجهم قرارك وهم يحاولون إصلاح خراب لا يمكن إصلاحه إلا برحيلهم. ستضع العصا في دواليبهم وستنزع عنهم أوراق التوت المهترئة. سيتوسلون إليك ألا تفعل ذلك، وسيلعنونك صباحا مساء، وسنبتهل نحن من أجل أن تمضي قدما لتنفيذ قرارك الشجاع، وعندها ستخلد في ذاكرتنا إلى الأبد، بينما سنرسلهم جميعا إلى مقابر النسيان.

ملاحظة: كتبت هذا المقال في يوليو 2005 عندما أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أنه لن يتقدم إلى الانتخابات القادمة، وأعيد نشره اليوم بعد مقتله بهذه الطريقة الوحشية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات