حتى لا نفيق بعد فوات الأوان

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

كنت لا أصدق أن المسافة بيننا وبين أوروبا خمسون عاماً من التخلف، وبقيت أتشبث بأهداب التاريخ العربي المهلهلة، أملاً في تقليص هذه المسافة الشاسعة، حتى أتيح لي أن ألمس تلك الفجوة بنفسي، عندما زرت بريطانيا لأول مرة قبل أكثر من عشرين عاماً.

حينها أصابتني الدهشة، وأذهلني الفارق الكبير بيننا وبينهم، واعترفت بيني وبين نفسي بأن المسافة ليست خمسين عاماً، بل أكثر من ذلك بمرات.

الأوروبيون رغم التباين الثقافي والأيديولوجي، وحتى الديني، إلا أنهم قرروا بمحض إرادتهم، تحطيم الحواجز الحدودية، وتوحيد عملتهم وأتاحوا لمواطنيهم حرية التنقل والعيش بلا قيود

الأوروبيون رغم التباين الثقافي والأيديولوجي، وحتى الديني، إلا أنهم قرروا بمحض إرادتهم، تحطيم الحواجز الحدودية، وتوحيد عملتهم وأتاحوا لمواطنيهم حرية التنقل والعيش بلا قيود، ومنذ أن شرعوا في تأسيس الاتحاد الأوروبي، بحثوا عن حلول لكافة المشكلات التي تعوق مشروعهم، وقدم الأغنياء تنازلات كثيرة، فيما تحمل البسطاء أعباء جمة، كل ذلك من أجل إتمام حلمهم في الوحدة.

في المقابل فإن العرب لا يزالون متشبثين بتقسيم شعوبهم إلى فئتين الأولى ثرية ربانياً، والأخرى فقيرة قدرياً، ومضى الأغنياء في ابتكار كافة وسائل إذلال واستغلال أشقائهم الفقراء، بلا رحمة ولا شفقة، ومن ثم ظل الأثرياء يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقراً.

وتوهم بعض العرب أن الله خلقهم قسمين الأول رضي عنه فوهبه النفط، فأصبح أهله أسياداً في بلادهم، في حين ظل المحرومون من الثروة- من وجهة نظرهم- قابعين في خندق العبيد، يعيشون على هامش الفئة الأولى.

دوام الحال من المحال
ولأن دوام الحال من المحال، فقد تفجرت الخلافات بين الأثرياء العرب، كما هو الحال في الأزمة بين قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين، بصرف النظر عن مصر، لأن أسباب خلافات أم الدنيا مع قطر تختلف عن أسباب خلافاتها مع الدول الثلاثة.

ووسط دوامة الأحداث وحركتها السريعة، نسي أغلب العرب البحث عن وسائل لتطوير أحوالهم وتحسين أوضاعهم، فلم يهتموا بالبحث في سر سعادة ورفاهية الشعوب الأخرى، خاصة فيما يتعلق بتحقيق «الاستقلال» و«التنمية» و«الديمقراطية»، فكانت النتيجة أن ظل الوضع على ما هو عليه.

وأخيراً استيقظ العرب فجأة، ليجدوا أنفسهم متحدين في الرجعية والتخلف والاستبداد بالسلطة، فيما العالم من حولهم غادر، أو يودع، هذا المربع تدريجياً، ومع ذلك لا يزالون منعزلين قابعين في جحورهم غير مبالين بما يشهده العالم من حولهم.

أصبحت كل السيناريوهات مفتوحة لتغيير مصير العرب أثريائهم قبل فقرائهم

الآن.. أصبحت كل السيناريوهات مفتوحة لتغيير مصير العرب أثريائهم قبل فقرائهم، فبالنسبة للأثرياء فقد ظل مجلس التعاون الخليجي كيانًا يميزهم عن باقي أشقائهم «التعساء».. هذا المجلس أصبح مصيره على المحك، وأوشك عقده على الانفراط، ليغدو نسيًا منسيًا، وكذلك العرب الفقراء كانت الجامعة العربية ملاذهم الأخير، والشعرة الباقية التي تربطهم بأمل التكامل وحلم العروبة، لكنها توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

إذًا.. ليس أمام العرب سوى الوحدة، لأنهم لو ظلوا على وضعهم الحالي لن ينجوا من المتربصين بهم من كل جانب، فالفرس والأتراك جاهزون للانقضاض عليهم، كما يقبع الذئب الصهيوني مستعداً لابتلاع ما يستطيع ابتلاعه من الجسد العربي، فهل يستيقظ العرب قبل أن يتفق المتربصون الثلاثة على تقسيم الغنيمة العربية فيما بينهم؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات