شجرة اللبلاب

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

سنة 1953، عندما كان القرش المصري الذي يحمل رأس الملك فاروق، والقرش المخروم ثروة في أيدى أطفال بنغازي يشترون به حلوى الديك، وصل المرحوم كمال الدين حسين، وزير التعليم وعضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، إلى بنغازي ليفتتح المركز الثقافي المصري، الذي صار قبلة يومية للشباب، وبسبب قربه من بيتنا، استمررت لثلاث سنوات متتالية من رواده، أتصفح مجلة السندباد أحفظ منها جملا كاملة صما، وأرددها متباهيا أمام تلاميذ فصل 3/5 بمدرسة الأمير. بعد ذلك صار من حقي بسبب انتظام ترددي الاستعارة، بموجب بطاقة ما زلت أحتفظ بها، وقلدت الشباب واتجهت نحو أرفف الروايات وتطورت ملكة الحفظ، فحفظت: "إلهي لا تشقِنا بالحب مرتين فتجعلنا نحب من لا يحبوننا!" مع مقاطع عديدة من روايات محمد عبد الحليم عبدالله، ولكنني لم أر أبدا شجرة اللبلاب التي كانت عنوانا لرواية من رواياته إلاّ بعد أن زرت مصر لأول مرة سنة 1962م.

ظلت مصر لجيلي كما لو أنها بلدهم الثاني، مثلما هي لي الآن. كانت قبلة للشباب العربي، فلقد نجح، بامتياز، المرحوم الزعيم جمال عبد الناصر في خلق الهوية العربية، بعدما كان شباب العرب، في ذلك الوقت، يبحثون عن هوية،

ظلت مصر لجيلي كما لو أنها بلدهم الثاني، مثلما هي لي الآن. كانت قبلة للشباب العربي، فلقد نجح، بامتياز، المرحوم الزعيم جمال عبد الناصر في خلق الهوية العربية، بعدما كان شباب العرب، في ذلك الوقت، يبحثون عن هوية، فتجد من تَطَلْيَن، ومن تفرنس ومن يرطن بالتركية. أوجد الزعيم القومية العربية، وصارت العروبة هويتهم، وأصبحوا يعتزون بها ويحاربون من أجلها، حتى شوهها الحاقدون بعد هزيمة حرب يونيو 1967م، ثم جاهروا بعدائها من بعد رحيل البطل سنة 1970م . وبعدما اختلف العرب بشأن هذه الهوية، دافع البعض عن حالة التنكر هذه، فخلقوا تكتلات عربية، أيضا، ولكنها قَزمتْ اتساعها!. شرع الشباب العربي يبحث عن بديل لها، فكانت الهوية الإسلامية وأبعدت الهوية العربية، في حين أن الهوية الإسلامية كانت ملازمة للهوية العربية، من البداية ولم تتنكر لها.

قال لي صديق، في معرض حديث عن عشق مصر: "مصر إن أحببتها أحبتك، وإن كرهتها كرهتك!" وهذا حق، فالمرء لا يرى سوى الحسن من حبيبته، أما إن كرهها فلا يرى منها إلاّ القبح!. وهذا ما يجعلني أستغرب من ردود أفعال الطلبة، العرب بصفة عامة، والليبيين بصفة خاصة!، لا وسطية لديهم في علاقتهم بمصر؛ إما أن يعود بالطالب حنينه إلى مصر، بمجرد أن يطمئن على أسرته، أو ينسى تماما ذكرياته ولا يعود إليها بوله من عشقها. الكثيرون لم يجدوا ما يريدونه إلاّ في مصر، فتزوجوا منها واستقروا بها، والبعض تنكر لذكرياته، ولمن علموه، وصار لا يرى إلا الجوانب السلبية، التي لا علاقة لها بضمير الإنسان المصري.

لقد نجح الزعيم عبد الناصر في مد الجسور من وإلى مصر، وحاول، من بعده نظام القذافي تفعيل الشيء نفسه، وقد نجح في ذلك إلى حد ما، غير أن سوء تفعيل إنجاح الجسور التي امتدت من ليبيا ظلت مرهونة بعلاقات سياسية،

لقد نجح الزعيم عبد الناصر في مد الجسور من وإلى مصر، وحاول، من بعده نظام القذافي تفعيل الشيء نفسه، وقد نجح في ذلك إلى حد ما، غير أن سوء تفعيل إنجاح الجسور التي امتدت من ليبيا ظلت مرهونة بعلاقات سياسية، ناهيك عن سوء تطبيق رجال ذلك العهد بسبب نظرة متعالية، معتقدا أن ود وترحيب المصريين بإخوانهم مرجعه الجانب المادي فقط. ولكن لماذا أهذي في شأن معروف وسبق وأن تناولته؟

أعيد لكم ما قلت من قبل، لأن واقع الجوار والمصاهرة، خصوصا بين شرق ليبيا وغرب مصر، بالإضافة إلى التضاريس الممتدة من برج العرب حتى رأس اجدير متطابقة تماما، فرضت حالة واقع المصير المشترك، ولعل ما يحدث في الأزمات أكد ذلك، فلقد افتتحت بيوت إخواننا المصريين بامتداد الطريق من الحدود حتى الإسكندرية عندما تعرضت بنغازي للتهديد بمحوها يوم 19/ 3/ 2011 ، ولعل عدد النازحين بسبب الحرب في بنغازي حاليا يؤكد هذه الحقيقة.

السؤال الآن: ماذا لو عملت مؤسسات المجتمع المدني بتنسيق ودراسة عملية؟. ماذا لو أنشأنا جمعيات صداقة مشتركة ما بين الليبيين والمصريين مبنية على أسس علمية، ليست جهوية، وليست استغلالية فالنتائج تكون مثمرة للغاية، وليس بالضرورة أن تكون هذه الجمعيات شاملة مثلما كانت؛ في الجانب التجاري فقط.

فالصداقة شجرة لبلاب لا تحتاج إلاّ لأيادي حانية خلّاقة توجه أغصانها فتتشابك وتغمر المكان ظلا، جمالا، وبهاء، وأمنا وسلاما.

ماذا لو يؤسس لجمعيات متخصصة، مصرية ليبية في الشئون الأكاديمية، أو المهنية، أو الطبية، أو الرياضية، أو الإعلامية أو الثقافية، وبالتأكيد الاقتصادية والزراعية؟. ماذا لو تتأسس جمعيات شبابية تأخذ على عاتقها التصدي للفكر المتطرف، الإرهابي، ليس بمقارعته بالرصاص ولكن بتنوير الصبية حتى لا يكونوا صيدا سهلا لصيادي البراءة والحماس، عند باب الرجولة ويصنعوا منهم قنابلَ وألغاما تفجر المصلين وهم راكعون. نحن نحتاج إلى ذلك، لأنه السبيل المضمون لتجفيف منابع الغسل المبكر للأدمغة البريئة. في تقديري أن النتائج بالتأكيد تكون ناجحة لدعم أمن واستقرار البلدين، بل العالم أيضا.

الأمر لا يحتاج إلاّ لنوايا طيبة وهي بالتأكيد متوفرة عند الخيرين في مصر وليبيا .. فالصداقة شجرة لبلاب لا تحتاج إلاّ لأيادي حانية خلّاقة توجه أغصانها فتتشابك وتغمر المكان ظلا، جمالا، وبهاء، وأمنا وسلاما.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات