قرن وعد بلفور: دولةٌ دينية نووية!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

إن الماضي والحاضر متفاعلان، كُلّ يشي بالآخر ويُوحي به.
إدوارد سعيد

1-

لما منح وزير خارجية المملكة المتحدة العظمى وعدهُ كانت الإمبريالية البريطانية في أوج طغيانها كإمبراطورية تشرق الشمس وتغرب في كنفها، وهي تقسم الأرض تمنح وتأخذ ما تريد، لكن في نفس الوقت كانت في قارة تحمل على كاهلها مُشكلا مزمنا هو "المسألة اليهودية" التي لم تبدأ مع محاكم التفتيش بعد طرد العرب واليهود من أسبانيا 1498، ولم تنته مع انضواء اليهود في الحركات الثورية التي أخذت تجتاح القارة خاصة مع قيام الثورة البلشفية في روسيا 1917. وهكذا هذا الوعد في وجهه الأوربي يخلص القارة من مرض عضال الذي تم عزله في "الغيتو" ما لم يحل "المسألة اليهودية" بل فاقمها، ورغم أن اليهود في ألمانيا مثلا مثلوا الانتيلجنسيا الألمانية والبرجوازية المالية لكن هذا في ذاته جعل الهوية الألمانية المستحدثة تتطرف في معاداتها لـ "الأغيار".

ولعل المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد يمس هذه المسألة في جوهرها دون أن يقصدها حين يكتب: (مبدأ الهوية، وهو مبدأ سكوني أساسا يشكل لُباب الفكر الثقافي خلال العهد الإمبريالي. إن الفكرة الوحيدة التي لم يكد يمسها التغير إطلاقا، عبر التبادلات التي بدأت بانتظام قبل نصف ألف من الزمن بين الأوربيين و"آخريهم" هي أن ثمة شيئا [جوهرانيا] هو "نحن" وشيئا هو "هم" وكل منهما مستقر تماما، جليّ، مبين لذاته وشاهد على ذاته، بشكل حصين منيع. وهو انقسام يعود [تاريخيا]، إلى الفكر اليوناني عن البرابرة، لكن أيا كان من ابتكر هذا النوع من فكر "الهوية" فإنه مع حلول القرن التاسع عشر كان قد أصبح العلامة المائزة للثقافات الامبريالية إضافة إلى تلك الثقافات التي كانت تسعى إلى مقاومة التطاولات العدوانية الأوربية عليها).

ولعل هذا يفسر بعدا مسكوتا عنه لهذا الوعد الذي في الأخير يكشف عن الحس الاستعلائي الأوربي حتى اللحظة كما تمثل في احتفاء بريطانيا الهرمة بالذكرى المئوية لوعدها.

كان صاحب الوعد ليس قادرا على الإيفاء به وحسب بل والمفارقة بجعل "الدين" كما "قومية" التي من لزوم ما يلزم لمفهوم الدولة المستحدث، وتوفير الممكنات لدولة "منفى" لمواطنين - يهود ليس إلا- من بلدان كما يُفترض المواطنة فيها لا تُفرق بين الأديان، وتأسيس ذلكم على أيدولوجيا أسطورية

كان صاحب الوعد ليس قادرا على الإيفاء به وحسب بل والمفارقة بجعل "الدين" كما "قومية" التي من لزوم ما يلزم لمفهوم الدولة المستحدث، وتوفير الممكنات لدولة "منفى" لمواطنين - يهود ليس إلا- من بلدان كما يُفترض المواطنة فيها لا تُفرق بين الأديان، وتأسيس ذلكم على أيدولوجيا أسطورية، ويشارك في هكذا مهمة برجوازية مالية من ذات الملة "اليهودية" مهمتها الدعم وتوفير تكاليف التهجير والاستيطان الأولي والترحيل إلى "المنفى" لإنشاء دولة، وكل تفاصيل هذه المهمة الأسطورية تمت رعايتها من الإمبراطورية العظمى التي كان وزير خارجيتها يعد بالمستطاع والمراد. هكذا نشأة الدولة الصهيونية كان مشروعا إمبرياليا، كما حال تخريط العالم وتقسيمه حينها. خاصة عقب الحرب الأوربية الأولى التي برزت فيها الإمبراطورية صاحبة الوعد كإمبراطورية أولى في العالم وقتذاك.

المشيئة في صنع الدول تبدو ممكنة للدول القادرة و"إسرائيل" ليست النموذج الفاقع والجريمة الكبرى فحسب، بل أنه كاشف على أن الإمبريالية الغربية قد فعلت في العالم مشرطها وعسفها وفاقمت أوضاعه مما جعل من "الدولة الصهيونية" كما أنها حلّ "مرض أوروبا العضال" فقد تم نقله إلى "الشرق الأوسط"، الذي يعاني الساعة من أن "وعد بلفور" أمسى أيضا كما يكتب إدوارد سعيد: (ثمة عشائرية جديدة، ومقيتة فيما أرى، تصدع المجتمعات، وتفصل بين الشعوب، وتشجع الجشع، والنزاعات الدموية، والتأكيدات الخالية مما يشوق على خصوصيات ثانوية عرقية أو فئوية).

وعد بلفور لم يُنشيء دولة فقط بل عولم المُعضلة الأوربية، فـ "المسألة اليهودية" لم تُحلْ بإنشاء الدولة، ولكن في عالم ما بعد العولمة ومع الرقمنة تفاقمت كما مسألة دينية، ونزعة "الدولنة"-حتى تكاد المدينة / الدولة تعود مجددا- التي مسّ وباؤها أوروبا ما أمست عجوزا تبغي تجديد دمائها بتشجيع الهجرة – بعد مرحلة التهجير أيام الإمبريالية الأولى - إليها من خلال مسار دموي يتمثل دور "المتمنعة الراغبة"، وعد بلفور ما نتاجه دولة "منفى" لمواطني أوروبا اليهود فاقم "المسألة اليهودية" فالدولة لتحافظ على كيان قوامه الدين باتت إمبريالية صغيرة تهيمن على محيطها بأنياب نووية وبذا –أيضا- غدت نموذجا للحفاظ على الكيان ما لا مقومات له غير المقدرة الأمنية، وهكذا في زمن العولمة أضحى اللا أمن حال العالم.

2-

لم يُغادر الغرب مستعمراته أو كما يكتب إدوارد سعيد:(قد يكون الغربيون غادروا مستعمراتهم القديمة في أفريقيا وآسيا فيزيائيا، غير أنهم احتفظوا بها لا كأسواق فقط بل أيضا كمواقع على الخريطة العقائدية التي استمروا يمارسون حكمها أخلاقيا وفكريا.)، وما حققه وعد بلفور إضافة إلى ذلك أنه غير العالم ديموغرافيا وجعل من "الأسطورة" قومية ودولة يحتذى بها، الأنموذج الذي خلقه وعد بلفور بعد قرن غدا "فرنكشتاين" القرن الحادي والعشرين، و"على نفسها جنت براقش" لأن الحاضر في الأخير مستقبل الماضي... فأي مستقبل تُرى سيكون لقرن من "وعد بلفور"؟.

ـــــــــــــــــــــــــــ
-إدوارد سعيد - الثقافة والامبريالية - نقله إلى العربية وقدم له كمال أبوديب - الطبعة الأولى 1997- دار الآداب -بيروت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات