فن حرانية.. وبائع الفل

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

محلات متجاورة برواق عتيق، مسقوف، يواجه باب زويلة من الجهة القبلية بالقاهرة القديمة، تعرض لوحات فنية غاية في الروعة؛ تصور هذه اللوحات جمال ريف مصر ونيلها العظيم، تعتمد على التطريز، أو على الصوف المغزول المتعددة أصباغه، المنسوج ببراعة الأيدي الموهوبة المتمرسة. هذه اللوحات هي بسط أو جداريات، وهي التي ذكرتني بواحدة اشتريتها سنة 1974م ، ولكن من قرية كرداسه؛ مقاسها 168سم x 285 سم، تبرز حقلا زاهي الألوان يقع على ضفاف النيل العظيم، وهي ما تزال معلقة في بيتي حتى الآن من دون أن تفقد لونا من ألوانها المتناسقة الجميلة.

كنت في طريقي إلى سويسرا، فطلب مني صديق أن أشتري له عباءات، ليهديها إلى ممرضات، يعملن بمستشفى كان يتعالج فيه ابنه. ثم أضفت، لما طلب، هذه الجدارية ليهديها إلى الطبيب. ابتهج صديقي بالجلابيب، وأعجب كثيرا بالجدارية، ولكنه أصرّ أن أعود بها إلى بيتي، مؤكدا أنها تناسب ركنا كنا نجلس فيه معا، مؤكدا لي أن فنانا مصريا افتتح السنة الماضية معرضا في مدينة (بال)، فنجح فصار متجرا لبيع تحف التراث المصري. اتسعت شهرته وعمت منتجاته معظم أسواق العواصم الأوربية المتخصصة في فنون الصناعات اليدوية. وفي عطلة نهاية الأسبوع زرنا المحل وكان بالفعل بديعا.

ولقد وقع في يدي مقال قديم يتحدث عن هذا الفن، وذكر أن معرض بال تحديدا، اُفتتح سنة 1958م، وأن الذي رعى وساهم في تطوير هذا الفن، لدرجه أنه يعد مؤسسه هو مهندس معماري مصري، اسمه (رمسيس ويسا واصف)، كان قد درس الفنون الجميلة وأدرك أهمية احتراف هذا الفن فطوره بغية نشر هذا التراث الفني البديع؛ فأسس سنة 1941م معملا، أو قل مدرسة تحوي 6 أنوال، في قصر الشام بالقاهرة القديمة، يتعلم فيها الصبية، من بعد ساعات الدراسة هذا الفن. ثم طور مشروعه فأسس سنة، 1952م ، في قرية (حرانية) القريبة من القاهرة، معملا، مستثمرا قدرة الصبية على سرعة تعلم هذا الفن، مقتنعا "أن كل إنسان يولد فنانا، ويبدع بالتأكيد، إن حظيت الموهبة الفطرية بالرعاية والتوجيه في الصغر" فصارت القرية عنوانا لهذا الفن المعتمد على الصوف والأصباغ الطبيعية وفنون الغزل والنسيج، والحياكة.

وهكذا بدأ الإنتاج، فنظم أول معرض لهذا الفن بجمعية الصداقة الفرنسية سنة 1954م، ثم معرض بال بعد أربع سنوات، وهو المعرض الذي زرته سنة 1974م؛ وفي العام نفسه، رحل فيه هذا الفنان عن عالمنا، بعدما أسس لهذا الفن فانتشر باتساع قرى مصر، ولعله الفن الذي استعصى على الأنوال الصينية المتطورة فلم تستطع تقليده، وهي التي صارت تقلد كل شيء، بما في ذلك الكثير من تحف والصناعات التقليدية، المعروضة في خان الخليلي.

والحقيقة أنني من الجيل الذي فتح عينيه على الصناعات المصرية، التي انتشرت بالأسواق الليبية في خمسينيات، وستينيات القرن الماضي، في الوقت الذي لم يكن فيه منتج صيني واحد باستثناء "مرهم أبو فأس" لعلاج البرد، ثم في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ولا أحد يدري أغرقت الصين أسواقنا بلباسنا الوطني؟، المنتشر من برج العرب حتى رأس اجدير، وهو المعتمد أساسا على القماش القطني الأبيض فقط.

ولم يطل الزمن، حتى تمكنت الملابس القطنية الداخلية التركية والصينية من إبعاد المصنوعات المصرية المصنوعة من أجود أقطان العالم، ليس من ليبيا فقط، ولكن من معظم أسواق أفريقيا كلها.

ماذا حدث؟
ما الذي جعلني أقف مذهولا؟. أراقب عاملين يفرغان عربة (نص نقل) محملة بأزهار بلاستيكية صينية الصنع عند مدخل سوق الموسكي. ماذا حدث، فأرض مصر مازالت مثلما قال عنها عمرو بن العاص: "ترابها ذهب" ونيلها العظيم يطرح طميه مع شروق الشمس وغروبها!

هل اختفاء بائع عقود الفل من شوارع القاهرة، بسبب أن الأرض الطيبة لم تعد تطرح الأزهار؟. أم الأذرع السمراء التي زرعت الأهرامات، لم تعد قادرة على زراعة الفل والياسمين؟. هل نترك بائع الفل يبيع الزهور الصناعية، وضفاف النيل تفوح نسائمها بروائح الأزهار كلها؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات