معضلة المؤسسة العسكرية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

على الأقل إلى وقت قريب، كانت المؤسسة العسكرية تشكل معضلة في ما كان يعرف بدول العالم الثالث، وصار يعرف بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وبالتبعية المعسكر الاشتراكي، أو دول معاهدة حلف وارسو في أوروبا، بدول الجنوب.

ففي هذه الدول، وبسبب هشاشة بنى الأنظمة السياسية بها التي ورثت التركة الاستعمارية، إلى جانب ضعف التطور الاجتماعي من المنظور العصري وغياب الديمقراطية، أصبحت المؤسسة العسكرية الوليدة، رغم ضعفها في حد ذاتها، أقوى المؤسسات وأكثرها تنظيما في هذه البلدان، وإذا أخذنا في الاعتبار أنها تربت، بالذات في أفريقيا والوطن العربي، ضمن إطار حركات الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي ومد حركات التحرر الوطني والقومي، فإنها أصبحت تتطلع إلى السلطة حاملة رؤى وطموحات شرائح البرجوازية الصغيرة التي أخذت تتنامى وملوحة بالوعود والآمال للطبقات الشعبية. وبالتالي كان سهلا عليها الاستيلاء على السلطة والقبض على دفة الدولة في عدة بلدان.

وما من شك في أن الأنظمة العسكرية التي اعتلت سدة السلطة في الإطار المشار إليه أعلاه حققت إنجازات منظورة على صعيد استكمال التحرر الوطني، مثل استرداد الأملاك والثروات الوطنية من أيدي المعمرين الإيطاليين وإجلاء القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية (في حالة ليبيا). كما أن هذه الأنظمة العسكرية الجديدة عادة ما تعيد تدوير الثروة الوطنية بشكل أكثر عدلا، بحيث تستفيد منه الطبقات الوسطى وما دونها وتنشر التعليم وتحسن من وضع الرعاية الصحية والاجتماعية.

بيد أن المؤسسة العسكرية تصبح معضلة وبعبعا للحكام العسكريين أبناء المؤسسة ذاتها التي وصلوا إلى السلطة على أكتافها. لأن مغامرة ضباط نشطين بالتآمر للوصول إلى السلطة ونجاحهم يثير شهية بعض زملائهم إلى أن يحذوا حذوهم ظنا منهم أنه أمر سهل. لكن المجموعة التي قفزت إلى السلطة، وبالذات أقوى فرد فيها، يدرك هذا البعد النفسي ويتخذ من الاحتياطات ما يلزم، حتى مع شركائه المباشرين.

وفي الحالة الليبية، التي نعتقد أن لنا بها إلماما معقولا، جرى كشف الإعداد لمحاولة إنقلابية بعد ثلاثة أشهر فقط من قيام الانقلاب، أو الثورة (حسب موقف المتحدث)، كان أبرز شخصين فيها المقدم آدم الحواز، وزير الدفاع حينها، والمقدم موسى أحمد وزير الداخلية وقتها. بعد ذلك وقع اكتشاف محاولة أخرى هزت كيان النظام الجديد وأعطت فرصة لمعمر القذافي لأخذ مقاليد السلطة بيديه وأن يمكن لنفسه كحاكم مطلق، وهي المحاولة التي تزعمها عضوان قويان من مجلس قيادة الثورة حينها، هما الرائد عمر المحيشي والرائد بشير هوادي، إضافة إلى عضو أو اثنين آخرين، سنة 1975.

ورغم أن القذافي ركز في البداية على تقوية المؤسسة العسكرية، إلا أنه، من البداية أيضا، حاول أن يلتف عليها، فأوجد جسما عسكريا موازيا، وإن كان ضعيفا، هو "المقاومة الشعبية" كما أنه كان يحيل الضباط من رتبة عقيد فما فوق إلى الخدمة المدنية، وأيضا منع على الضباط التواجد في الثكنات والمواقع العسكرية بعد انقضاء الدوام الرسمي وأعطى الجنود الحق في مناقشة الأوامر التي تصدر إليهم إذا ما أثارت ريبتهم، وتمت تقوية أجهزة الاستخبارات. إضافة إلى حركة الإعدامات التي طالت عددا كبيرا من الضباط. وهناك من يفسر الزج بالجيش الليبي في حرب مع تشاد على أن المقصود منها إضعاف المؤسسة العسكرية الليبية وتوريطها في هزيمة، إلا أنني لست مع هذا التفسير وأرى أن الحرب ضد تشاد تعبر عن الطموح التوسعي لمعمر القذافي ورغبته في أن يكون لاعبا أولَّ في أفريقيا ولاعبا متميزا في السياسة الدولية.

لكن الإضعاف الأكبر الذي تعرضت له هذه المؤسسة هو إنشاء ما يعرف بالكتائب الأمنية التي تتبعه هو شخصيا (أي جيش خاص) ولا يندرج ضمن هيكلية المؤسسة العسكرية التقليدية، وهذه الكتائب تتمتع بإمكانيات تسليحية عالية تفوق ما كان لدى الجيش.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : محمد - بنغازى

    9.11.2017 الساعة 19:16

    أنا من أنصار رأى الكاتب فيما يتعلق بحرب تشاد. الا أن الانقلابات العسكرية جلبت الدكتاتورية الى العالم الثالث ومنه الدول العربية التى استنزفت مواردها المادية فى تقوية الأجهزة الأمنية وتشديد القبضة على الشب وكبت أنفاسه بدل انفاق هذه الأموال على تطوير الخدمات مثل التعليم والصحة والأمن الذى يمس المواطنين وممتلكاتهم والبنية التحتية ... الخ كما أن ما ورد فى البيان رقم (1) في جميع الانقلابات العربية فيما يتعلق باسترجاع فلسطين وعاصمتها القدس الشريف لم تكن الا مشجبا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟