«درنة» و«هيكل» والقصة التي لم تكتمل

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

منذ خمس سنوات، فترة تشكيل مجلس عسكري لإدارة شؤون مصر بعد تنحي مبارك، أذكر أن الصحفي محمد حسنين هيكل قال، في لقاء أجراه معه صحفي في مكتبه الخاص، ما مفاده أن الجيش المصري حين يخرج من هذه المعمعة السياسية متماسكا أمامه تحديان خطيران فيما يتعلق بالإرهاب، وهما سيناء في الشرق، ودرنة في الغرب، ولا أنكر لحظتها أني ضحكت، خصوصا فيما يتعلق بالخطر الغربي، واعتقدت، مثل البعض، أن حسنين هيكل بدأ يخرف.

تذكرت كلماته حين قصفت الطائرات التابعة للسلاح الجوي المصري مواقع إرهابية في درنة، بعد ثلاثة أعوام، ردا على حادثة ذبح مجموعة من الأقباط في سرت، وأدركت حينها حصافة وبعد نظر هذا الصحفي أو المفكر السياسي المحنك، الذي لا يقول آراءه من باب الحدس أو التوقع المجاني، ولكن من منطلق متابعة دقيقة ومنظمة لما حدث ويحدث في المنطقة برمتها، مزودا بأرشيف ضخم يرسم له السيناريوهات المتوقعة لمآلات الربيع العربي.

في الحوارات التي أجرتها الإعلامية، لميس الحديدي، مع هيكل، في قناة سي بي سي، أبريل 2014، عاد للتطرق إلى مسألة الإرهاب، والتحديات المقبلة، ولِما سبق أن ذكره قبل عام ونصف.

قال هيكل، الخميس 3 أبريل 2014: "إنّ القلق الحقيقي على مصر يأتي من الحدود الغربية مع ليبيا والتي أصبحت مسرحًا للميليشيات"، وأضاف: "رغم أنّ القاعدة لها دورٌ كبيرٌ في وجود الجماعات المسلّحة في ليبيا، وأنها تُشكّل خطرًا حقيقيًا خاصة في منطقتي طرابلس وبنغازي. إلا أنه كذلك في شرق ليبيا في الجبل الأخضر في منطقة (درنة) جيب إرهابي أساسي".

دِرنة (بكسر الدال) كانت تتردد على لسان هيكل في الكثير من إدلاءاته، وفي بدايتها لم يكن يضحكني فقط طريقة نطقه لاسم المدينة التي أقطنها، ولكن خياله الجامح الذي يجعل من مدينتي الصغيرة بعبعا يقض مضجع الدولة الكبرى مصر.

وبعد فترة قليلة زالت الدهشة حين بدأت هذه المدينة تقع تحت قبضة جماعات شرسة تداولت حكمها طيلة السنين الماضية، وهي جماعات تبتعد وتقترب من بعضها البعض وفق مصالح تتضارب، ووفق أذرع سياسية داعمة لها في طرابلس ومصراتة، غير أن منهجها واحد ووسائلها واحدة. لقد عايشت في درنة عمليات الاغتيال التي بدأت منذ الشهور الأولى لحراك فبراير.

بدأت بتصفية بعض الدراويش أو الشواذ أو المشعوذين، ثم انتقلت إلى القضاة، والمحامين، والعسكريين، ورجال الأمن السابقين، ونشطاء المجتمع المدني ومواقع التواصل، حتى تجاوزت عمليات الاغتيال الممنهجه الـ 220 ضحية من رجال ونساء، وقد شاركتُ العام 2013 في عدة مظاهرات رافضة للتشكيلات المسلحة ومطالبة بالجيش والشرطة، وما كان يزعجني هو العدد القليل الذي كان يشارك في هذه التظاهرات (كنا لا نتجاوز المائتين في مدينة يعد سكانها بـ 130 ألفا كما يقول الآن بعض المنددين بالحصار على درنة)، نمر على الناس فوق الأرصفة وأمام الحوانيت أو في المقاهي وكأن الأمر لا يعنيهم، وأذكر أني علقت وقتها: كأنها مظاهرة جالية ليبية في مدينة أجنبية، ولو أن الناس خرجت فترتها بأعداد كبيرة كما تخرج الآن في مواكب التشييع لضحايا كل هذه الفوضى الجارفة لما سيطرت هذه الجماعات على مدينة درنة.

كنا نذهب إلى بيوت من اغتيلوا ونهتف أمامها بأسمائهم وبليبيا، وبعد اغتيال بعض منظمي هذه المظاهرات، وهربِ بعضهم خارج المدينة، توقف الحراك تماما في المدينة إلى أن استلمها بشكل سلمي تنظيم داعش من المجموعات السابقة، وحكمها لمدة عامين تحت سلطة والٍ يمني، كان يقوم بجولات في شوارع المدينة رفقة سائق وبعض الحراس، وهو يأمر بقفل المحلات وقت الصلاة، وبتغطية النساء غير المنقبات، حتى حدث الاشتباك المعروف بين ما يسمى حاليا (مجلس شورى مجاهدي درنة) وجماعة داعش، بعد اغتيال أحد قادة الجماعة الليبية المقاتلة.

ظلت درنة، منذ 17 فبراير 2011 ، تحت قبضة الجماعات المسلحة التي تسللت إلى هذه الحاضرة عبر تلك الصدوع القديمة داخل نسيجها الاجتماعي المرتبك، منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث عاشت أوقاتاً عصيبة في التسعينيات نتيجة الصدام بين أنوية هذه الجماعات وأجهزة الأمن، كما ظلت تصدر الجهاديين إلى خارج الحدود ما جعلها تتصدر عناوين صحف دولية مثل النيوزويك، وبرامج تلفزيونية، مثل برنامج "صناعة الموت" بقناة العربية الذي كانت إحدى حلقاته، 2008، عن التطرف في مدينة درنة، والسبب يرجع إلى أن القوات الأمريكية عندما اقتحمت أحد مقرات تنظيم القاعدة في العراق عثرت على وثائق وسجلات، أهمها يشير إلى أن حوالي 60% من الجهاديين الذين يأتون من ليبيا "من مدينة صغيرة شرق ليبيا تسمى درنة"، وحوالي 80% من الليبيين الذين يختارون القيام بعمليات انتحارية يأتون من هذه المدينة، الأمر الذي لفت نظر المتابعين والمحللين.

وأذكر أني نشرت وقتها مقالا في موقع "العربية نت" بعنوان "لماذا درنة؟" كرد على ما ورد في تلك الحلقة من وصف لها كمعقل تقليدي للتطرف، واستفزني وقتها هذا التوصيف، فحاولت أن أوضح لماذا؟، متطرقا لما تتعرض له من تهميش، وما يتعرض له الشباب من إهمال وبطالة، مسربا بعض الجمل عن فقدان الحريات والعنف الذي لا يؤدي سوى إلى العنف المضاد. لكن بعد سقوط النظام الذي كان هدفا لهذه الجماعات كما تعلن، أصبحت هذه الـ "لماذا" في حاجة إلى إجابات مختلفة ومعقدة، خصوصا أن ما يحدث بدأ يشكل مظهرا عاما في المنطقة برمتها، ولم تعد مقولات التهميش والفقر والبطالة وقمع الأنظمة كافية لتفسير هذه الظواهر الهدامة التي تغلغلت داخل هذا الحراك الشعبي وحولته من ثورات لها مطالب سياسية وتنموية إلى ثورات دينية تقوم في مجتمعات جاهلية، وتوقف المسير الطبيعي للثورة بمفهومها التاريخي.

في حوار أجرته معه جريدة الأهرام، 14 فبراير 2104، قال محمد حسنين هيكل موجها كلامه للمحاور، محمد عبدالهادي علام: "لعلك لاحظت ومنذ 25 يناير 2011 – أنني اقتصدت فيما كتبته أو تحدثت به في استعمال كلمة "الثورة"، وآثرت أن أستعمل "حالة ثورة" على نحو ما – كان شعوري أن هناك شيئا ما تغير في هذه القضية. الثورة فيما عرفنا من سوابق التاريخ دورة كاملة متصلة: شعب غاضب لا يستطيع احتمال ما هو فيه، وينتفض لتغييره - فكرة أو تصور يبشِّر بقدرته على وعد المستقبل- قيادة مُعتَرف بها تقود الجماهير في طلب الفكرة أو التصور- النظام القديم يسقط - والأفكار والمشروعات الجديدة تحت قيادة النُخَب الجديدة تضع نظاما يحل محل نظام. دورة كاملة مثل قصة مكتملة".

عدم اكتمال القصة سبب مهم لكل هذه الظواهر التي تدخلت في السرد المنطقي للحراك المتعلقة مطالبه بالمستقبل، وذهبت به إلى الماضي وإلى نهايات تراجيدية أخرى جعلت هذه الشعوب المنتفضة من أجل الديمقراطية بين خيارين: الدولة الدينية أو الدولة العسكرية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات