ركن العامرية.. الإرهاب. (7/1) موجات الإرهاب

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

يعمل الإرهاب على زعزعة العلاقات بين الدول كذلك بين المجموعات داخل المجتمع الواحد، وليس خافيًا أن الإرهاب بات ظاهرة عالمية رغم تمركزه في مناطق بعينها في العالم، فقباحته تظهر بوضوح بشيوع الدمار والبؤس والخراب في أي مكان يحل فيه.

تاريخيًا لم تكن ظاهرة الإرهاب بغائبة عن مسرح الأحداث، فهي دائمًا تطلّ كالنبتة الخبيثة بين الفينة والأخرى، ولعل فرقة الحشاشين التي ظهرت في القرن الحادي عشر بقيادة حسن الصباح كانت من أوائل هذه الجماعات.
وبحسب ايدوين بيكير الباحث في مركز مقاومة الإرهاب "هيغ" فقد أشار إلى أن بدايات الإرهاب في العصر الحديث كانت في فرنسا، في الفترة ما بين 1860و1870، إلا أن هناك من يقول إن البدايات كانت في روسيا. على أية حال هذا يتطلب المزيد من البحث.

4 أنواع للإرهاب
هنا نجد في أنفسنا رغبة بتحديد مفهوم الإرهاب، مواصفاته وأنواعه. وقد تمكن الباحث ديفيد رابورا من رصد ظاهرة الإرهاب في أربعة أنواع أو موجات متعاقبة. ظاهرة "الفوضويين" كانت الأولى عام 1880. أما الثانية فكانت عام 1920 هدفها طرد الاستعمار ولا أدري كيف يكون ذلك إرهابًا، إلا إن كان ما هو إرهاب لإنسان ما سعادة واطمئنانًا لآخر!. ثم كانت الثالثة وهي موجة اليسار الجديد أو الإرهاب الأحمر الذي بدأ عام 1960، أما الأخيرة والتي تهمنا هي موجة الإرهاب الديني الذي بدأ عام 1979 وإن كنتُ أظن أنه سبق ذلك التاريخ بعشرات السنوات. وقد لاحظ رابورا ثلاثة أحداث رئيسية جرت ذلك العام، كلها ارتبطت بفكرة الإرهاب بطريقة ما وهي، الثورة الإيرانية والاجتياح الروسي لأفغانستان والهجوم الشهير على الحرم المكي.

وأما ظهور كلمة الإرهاب بمدلولها الحالي فقد كان مؤخرًا جدًا، حتى أنه لم تصف الصحف الأمريكية حادثة اغتيال رئيسها مكنيلي عام 1901 إلا بالقول إن الرئيس قد أُصيب بأعيرة نارية على يد "anarchic" أي فوضوي فكلمة إرهابي "terrorist" لم تكن متداولة بعد.

للإرهاب أكثر من مئتين وخمسين تعريفًا، لذا يصعب التوافق حول مفهومه

وللإرهاب أكثر من مئتين وخمسين تعريفًا، لذا يصعب التوافق حول مفهوم الإرهاب. بحسب رابورا فالإرهاب هو "الاستخدام غير الرسمي وغير المصرح به للقوة كوسيلة لبلوغ غاية سياسية". هذا المفهوم هو أحد المفاهيم المتداولة جدًا والذي يتوافق مع ما ورد في معجم المعاني، فالإرهاب هو "مجموع أعمال العنف التي تقوم بها منظمة أو مجموعة أو أفراد قصد الإخلال بأمن الدولة، وتحقيق أهداف سياسية أو خاصة أو محاولة قلب نظام الحكم". ومن المهم ملاحظة أن التعريفين قد أخرجا الدولة من دائرة ممارسة الإرهاب، وكأن لا وجود لدول وأنظمة حاكمة تُمارس الإرهاب ضد شعبها أو أقليات منه، أو ضد شعوب دول أخرى مما يجعلنا نتساءل عن الأسباب، أهي لحسابات سياسية بعينها!.

نعود لمحاولة معرفة السبب وراء عدم الاتفاق حول مدلول كلمة الإرهاب. أعطى أليكس شميت وهو من الباحثين في الإرهاب، أربعة أسباب أولها أن للإرهاب جوانب عديدة سياسية قانونية واجتماعية وكلها متداخلة مع بعضها، ويصعب فرزها وهنا أستغرب عدم إدراجه الجانب الاقتصادي، ويتعلّق السبب الثاني بتحديد المخوّل له إلحاق صفة الإرهاب بشخص أو مجموعة، فنعود للقول الذي أشرنا إليه آنفًا أن "الإرهابي لأحدهم هو مناضل في سبيل الحرية لآخر"، ومن هنا يمكن القول إن المجموعة الإرهابية لنظام ما أو دولة قد تكون جماعة ثورية لنظام آخر!. ويرجع السبب الثالث إلى تعدد أنواع الإرهاب المتمثّلة بالموجات المختلفة، كذلك اختلاف أهدافها المعلنة والسبب الرابع يكمن في معنى الإرهاب نفسه الذي تغير و"تطور" خلال القرنين الماضيين. فاللافت أن كلمة الإرهاب عندما اُستعملت لأول مرة جاءت لوصف نظام الحكم السياسي الظالم عقب الثورة الفرنسية، ولم تستعمل كدلالة على أنها فعل ضد النظام إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

الحاجة للتوافق حول تعريف واحد للإرهاب تبرز من أنه ظاهرة عابرة للقارات والأوطان، لذا يتعين علينا جميعًا التصدي له والحد من أخطاره

وبحسب آراء الكثير من الباحثين في موضوع الإرهاب فإن الحاجة للتوافق حول تعريف واحد للإرهاب تبرز من أنه ظاهرة عابرة للقارات والأوطان، لذا يتعين علينا جميعًا التصدي له والحد من أخطاره، وبالتالي فنحن بحاجة للتعرّف على أؤلئك الذين من الواجب منعهم من مزاولة الإرهاب. كما أن الاتفاق على تعريف واحد للإرهاب سيسمح للدول بتبادل المعلومات والبيانات عن الإرهاب، فكلما اتسعت الرقعة البيانية كلما توصلنا إلى نتائج علمية أكثر أهمية ودقة. هذا بالإضافة إلى أَن التوافق حول تعريف واضح للإرهاب سيسهل وضع قوانين ولوائح دولية تعاقب بها مرتكبي الإرهاب، كذلك سيعود ذلك بالفائدة على الساحة الأكاديمية حيث سيمنح البحوث المهتمة بشأن الإرهاب أرضية واحدة من الأُطر والمعايير تنطلق منها للوصول إلى نتائج أكثر دقة وعلمية.

وإذا أخذنا بتعريف رابورا للإرهاب كمنطلق لهذا البحث فسنلاحظ أن للإرهاب ميكانزيم للتأثير على الناس والمجتمع، بغية إحداث تغيير على الوضع السياسي وغالبًا ما يكون التأثير كبير جدًا لأنه يصل إلى أكبر عدد من الناس.

ويحدث أن يكون العنف هو الوسيلة والغاية معًا ويحدث أن يكون نشر الخوف والفزع بين الناس أكثر أهمية من نشر الموت، وربما كان هو السبب الرئيسي. وقد كان بحسب اطلاعي، براين جينكينسن 1975 من أوائل من قال إن هدف الإرهابيين نشر الخوف وليس الموت، فالغرض الرئيسي من القتل ليس قتل من يموت وإنما الأحياء من متابعي الأحداث المخيفة، حيث أن القتلى لم يكونوا إلا أهدافًا غير مباشرة. وقد ميّز شميت بين الإرهاب كفكرة للوصول إلى غاية وفعل يُراد به قتل الناس العزّل لإرهاب الأحياء.

وتجدر الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين الفكر الإرهابي والفعل الإرهابي، فهناك من الناس من يملك الفكر الإرهابي المتطرف لكنه لا يجرؤ على القيام بأي فعل إرهابي لأسباب تتعلق بشخصيته، أو استعداده النفسي أو ظروف حياته وارتباطاته ومسئولياته، وهناك من يقوم بالعمل الإرهابي بلا أساس فكري حقيقي وإنما لأسباب أخرى قد تكون نفسية أو اجتماعية.

وقد تناول الدارسون ظاهرة الإرهاب بالبحث من جوانب عديدة، فهناك من درسها على أساس أنها فعل عقلاني مؤسس على غايات مدروسة مثل مارثا كرينشو، وهناك من تركزت أبحاثه على طرق تفكير من يقوم بالفعل الإرهابي، مثل أبحاث جير الدبوست. وتتواجد أهم المراكز في العالم التي تعنى بدارسة الإرهاب في واشنطن ولندن وسان أندروز في اسكتلندا وسنغافورة.

هناك خمسة مفاهيم متداولة بين الناس ناقشها الدارسون لظاهرة الإرهاب وهي:
• الفقر سبب الإرهاب.
• الإرهابيون مختلّون عقليًا.
• الإرهاب يزداد عنفًا ووحشية.
• الإرهاب ظاهرة موجهة ضد الغرب.
• الإرهاب ظاهرة ناجحة.
وسنناقش هذه النقاط بشيء من التفصيل في المقالة القادمة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات