المُراهنة على الماضي القادم.. المؤتمر الوطني!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

التاريخ لا يقول وداعا أبدا، التاريخ يقول سأراكُم لاحقا.

إدواردو غاليانو
1-
لم يأتِ المندوبُ الأممي غسان سلامة بجديد في خصوص المؤتمر الوطني المطروح في خارطة طريق الأمم المتحدة لليبيا، كما لم يأتِ بجديد في التعديلات المُقترحة على انسداد الصخيرات، المؤتمر الوطني المسار الذي اتبعه الليبيون بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية والبدء في مسار الاستقلال الوطني، وهكذا فالمراهنة على الماضي ظاهرة في هكذا مقترح لكن مع فارق أن المقترح في حالة خارطة الأمم المتحدة يبدو فيه أن المؤتمر الوطني المقترح هو "خطة ب" في حالة اعتبار "خطة أ" قد ذهبت أدراج الرياح، وفي حال نجاح "الخطة أ" فإن مهمة المؤتمر الوطني كـ "شاهد ما شاف حاجة" حسب تأويل لما سربته المندوبية الدولية، بهذا المؤتمر الوطني الأممي مشروع على الطاولة ليس إلا في كل الأحوال.

لكن هذه الحقيقة الصادمة هي المثلبة الرئيس في خطة الأمم المتحدة الجديدة القديمة، فاعتبار المؤتمر الوطني من لزوم ما لا يلزم يجعل من خطة الأمم المتحدة كما مكرسا لواقع الحال وداعما للقوى المهيمنة ودون أي حراك لحلحلة هذا الوضع، في حين أن المؤتمر الوطني كما وضح في المشروع الأممي وكاستعادة لمشروع نجح في التاريخ الليبي في خلق الوئام الاجتماعي/ السياسي هو من لزوم ما يلزم في حال ليبيا الساعة. وإذا ما حصل على دعم دولي إقليمي فإنه سيكون بمثابة مجلس المجالس والجامع لكل القوى الليبية صغيرها وكبيرها، والمحصن للاتفاقات الحاصلة.

وإني أفترض أنه سيكون مؤقتا اجتماعا لقوى السلم والحوار ومنه يتم توكيد المصالحة ودعم الحلول والمقترحات، وبالتالي هو مؤتمر لتقوية وبث الحياة في مجلسي الأمة: مجلس النواب ومجلس الشيوخ ولتقوية مجلسي الأمة التنفيذيين: الرئاسي والوزارة ومنهما حل معضلة الجيش والأمن. أي أن المؤتمر الوطني هو لقاء القوى الوطنية جملة وتفصيلا من أجل التراص وراء كيان الدولة الليبية الذي تم التراضي حول مقوماته، وبهذا فإنه "مؤتمر وطني" لكل القوى الليبية المشاركة في استعادة البلاد والعودة إلى مستقبلها. ويكفل للجميع المشاركة في ذلك كحق ويلزم الجميع بهذا الواجب: المحافظة على مستقبل واستقلال ليبيا. ومهمته تبدأ الآن وهنا ولا تنتهي إلا بعد إقرار الدستور وإجراء الانتخابات واستلام السلطة المنتخبة البلاد.

2-
المهم هو اعتبار الوقت كعدو رئيس لأي مشروع سلام، وبالتالي أن نعمل سريعا من أجل أن يكون المؤتمر الوطني إذا ما كنا جادين في هذا المسار. وإلا فإن خطة الأمم المتحدة لليبيا جديدة قديمة ولا تعني إلا التسويف ومضيعة الوقت، فبدون المؤتمر الوطني فإنه في الأطراف الليبية - ومن ورائها أطراف إقليمية ودولية-من يوكدون على الحوار الوطني وتعديلات اتفاق الصخيرات وفي نفس الوقت يعولون ويعملون من أجل إفشالهما أو على الأقل تضييع الوقت، أما الأسباب الواضحة والجالية لذلك أن إطالة خيط الخارطة لا يفسد الحال، مادامت الخارطة غير جالبة لحلول مرضية.

هناك أطراف على الحاشية طامعة بدور ودور أفضل لا يهمها الحل، خاصة وأن ليس لديها ما تخسر، هذه الأطراف الأخطر في هذه اللحظة لأن دورها ملتبس. وفي الأيام الماضية زار رئيس الوزراء الروسي مدفيديف الجزائر، هذه الشخصية سمتها الأساس لعب دور الممثل البديل، والجزائر في أحوج الأحوال لتمويه دورها ما يتوازى مع حالها الداخلي: غموض شخصية "رأس الدولة"، ان هاتين الدولتين الجزائرية والروسية تستفيدان من حال "محلك سر" في أوضاع المنطقة، فدورهما يكبر دون أن يقدما أي شيء غير التصريحات والسلوكيات الغامضة، وهما بحاجة للوقت لأجل تعزيز نفوذهما وإصلاح حالهما الداخلي بأمصال الخارج.

وأهمية ذلك في أن تونس مسرح الحوار هي أيضا بلد يؤجل أزماته حتى عام 2019، عام الانتخابات التي تعني التحول الرئيس في تاريخ تونس، فالوجه الثاني للعُملة التونسية -لعجوز قرطاج-الغنوشي يطرق أبواب قرطاج، هذا وغيره يوكد للأطراف الليبية النافذة وغير النافذة أن نار الطبخة في الخارج وأن يد الخارج في الداخل يد المخابرات وليس الساسة، وبذا فإن خيمة تونس كما خيمة "محمد حسن" - مطرب القذافي الأشهر- للغناء كل على ليلاه وليست لمسار حلَ سياسي. ويحوط ذلكم زفة تفاؤل مصطنع مثلما حدث في الأسبوع الأول من ملتقي "جماعة السويحلي وجماعة صالح"، من أنه تم الاتفاق على ما سبق الاتفاق عليه واختلف على ما كان مختلفا عليه"، وفي لحظة زفة الأكاذيب هذه تطلع تصريحات من السويحلي بأن هناك طرفا معطلا دون أن يسميه، وفي اللحظة يصرح حفتر أن ثمة رهانات أخرى غير حوار تونس، أما "جبريل" فيعتبر أن في حوار تونس مسارا للعراك على تسمية المناصب. هذه الأطراف تُجمع على أن التفاؤل لا محل له من الإعراب، وأيضا "سلامة" نسي المهمة المزعومة لـ "المؤتمر الوطني".

لكن رغم ما تقدم وما تأخر هناك إجماع بإن تونس "قفة الساحر" التي يوضع فيها كل البيض، وإجماع على مديح السحر، لذا الساحر ناطق فاتق متمنطق بمنطق الهُدهد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات