حاخاميات لتعليم الوفاق

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

جمع الحاخام (يوضاس) شريعة موسى، عليه السلام، في كتاب أسماه (الميشنا)، ثم أضاف حاخامات أخرون - بامتداد التاريخ- شروحات ألفت في مدارس فلسطين، وفي بابل بعد سبيهم سنة 597 ق.م. هذه الشروحات هي التي سميت (الجيمارا) وهي ما شكلت مع (الميشنا) ما يعرف بالتلمود، الذي لم يعد كما كان في القرن التاسع عشر مجرد كتاب لا يرتقي إلى مستوى التوراة، بل صار كتابا مهما في التشريع اليهودي، على الرغم من كونه المدخل الذي حرفت من خلاله شريعة موسى كما يقرر القرآن الكريم، وأنا لا أنوي - مطلقا- التعرض لهذه الحقيقة ولا مناقشتها. أنا في الواقع أريد أن أعرض مسألة مهمة للغاية تعرض لها التلمود وأكد على ضرورتها، وهي في الواقع السبب الرئيسي في تصدر اليهود لقائمة علماء العالم – فالإحصائيات الموثقة تقرر أن تعداد اليهود أربعة عشر مليونا، فاز منهم مائة وثمانون عالما خلال المئة وخمسة أعوام الماضية بجائزة نوبل، وتعداد المسلمين بليون ونصف فاز منهم بالجائزة نفسها، خلال الفترة نفسها ثلاثة فقط!. وبالقدر الذي يقنعني أن التوراة حرفت، كما يقول قرآننا الكريم، وكما يقرره المنطق الذي يفرضه خلط تعاليم السماء بتفسيرات البشر، منوهين أن مكانة التلمود، عند اليهود، تسبق مكانة تعاليم موسى بمفردها. أعترف أن آراء التلمود وتعليماته بشأن التعلم مهمة وفعالة للغاية، بل هي في تقديري ما نحتاجه بالفعل للخروج من نفق الانغلاق، والتطرف،والانكفاء على الذات بتعلم كافة مناحي العلوم الوضعية، جنبا إلى جنب مع علوم ديننا الحنيف، وبالطبع علوم الديانات الأخرى، واضعين نصب أعيننا أن من تعلم لغة قوم أَمِن مكرهم.

ولأنني أريد أن أنقل إليكم وجهات نظر علماء اليهود في التعليم، خصوصا الديني.أما لماذا التعليم تحديدا؟ فذلك لأنني أرى أنه مشكلتنا الأساسية، في حين أن تلمود اليهود أسس منهجه على أساس تطوير تعاليمه وتغييرها بما يتناسب مع العصر. ويعد معلم يدعى (هلليل) وهو بابلي المولد مؤسسا لمدرسة تسمى (تنّايم) في القرن الأول الميلادي، التي تقر "أن الحياة تخضع لظروف تتبدل باستمرار، ولا يمكن الخضوع للضغوط التي تفرضها عليها الإطارات المتصلبة لشريعة مكتوبة لا يمكن تغييرها، فوجد في حرية التفسير المسموحة من القانون الشفهي الأداة التي لا تقدر بثمن، والتي بفضلها يمكن للوصايا التكيف مع الظروف المتنوعة" ومن الواضح تأثير هذا الرأي على مفسري نصوص التوراة، ولعل تغير رأي المنظومة التربوية القديمة في تعليم البنات التي تقول: "أي شخص يعلم التوراة لابنته يفعل كما لو كان يدرب على الفاحش" وكانت غالبية اليهود تؤيد هذا الرأي مستندة على ما يقوله سفر التثنية (11،19): "وعلموها بينكم وتدارسوها إذا جلستم في بيوتكم وإذا مشيتم في الطريق وإذا نمتم أو قمتم" باعتبار أنها تعني حرفيا - بحسب اللغة العبرية - الأبناء الذكور فقط ، بل وأحد الحاخامات يقول: "الأفضل أن تأكل النار كلام التوراة من أن ينقل للنساء" ويقول آخر: "ليس لدى المرأة ما تتعلمه إلاّ معرفة استعمال المغزل".

ولعل سبب وجهات النظر القديمة هذه خوفها من تأثر بيتها بغيابها المتكرر لحضور دروسها، والحاخامات يرون أن المرأة تحتاج إلى تثقيف أقل ولكن أن تصل بثقافتها إلى علاقات متواصلة مع الرجل قد يؤثر في أخلاقها، ثم يخشون أن تأخذهن الحماسة الدينية ويكرسن أنفسهن للعزوبية مثلما فعلت النساء المسيحيات. ولكن ماذا حدث؟. ما الذي غير وجهة النظر اليهودية في تعليم الأنثى؟

كيف صارت المرأة اليهودية في هذا الزمن رئيسة وزراء، وزيرة خارجية، ناهيك عن تواجدها في مناحي الحياة كافة؟. في تقديري هو التفسير العملي بما يخدم النهضة العلمية خصوصا وأن التوراة توصي، وتؤكد على ضورة تعليم اليهودي المخلص العلم لأطفاله، خصوصا تعاليم الدين: "ولتكن هذه الكلمات التي أنا آمرك بها اليوم في قلبك كررها على بنيك وكلمهم بها إذا جلست في بيتك وإذا مشيت في الطريق وإذا نمت وإذا قمت" التثنية (64،7) ويؤكد (أحبار 6،1) على ضرورة اكتساب المعرفة: "إذا اكتسبت المعرفة فلا شيء ينقصك لكن إذا نقصتك المعرفة، فأنت لن تكسب شيئا" ويقرر التلمود أن تعليمك لأطفالك يسبق صلاتك بل إن المخلصين من الحاخامات يصطحبون أطفالهم للمدارس قبل أن يتناولوا إفطارهم و( الحوليات 23.16) تأمر "لا تلمس الممسوحين ولا تؤذ أبنائي" – الممسوحون أو المدهونون هم أطفال المدارس- أما أبنائي فهم المعلمون، الذين تضعهم الشريعة في مرتبة أعلى من مرتبة العائلة: "فالأهل يكتفون بإنجاب الطفل إلى هذا العالم، بينما المعلم يقوده للحياة الآخرة" وتحكى كتب التراث اليهودي أن حاخامات وصلوا قرية لم يجدوا فيها معلما، فذهبوا لحاميها وقالوا له "إنك مخربها. لأن حماتها هو المعلمون.." وقالوا: "ليكن خوفك من معلمك مساويا للخوف من السماء". ويعود تأسيس المدارس إلى النصف الأول من القرن الأول ق.م. وكان الفصل الموكل للمعلم لا يتجاوز 25 تلميذا. ولا أدري ماذا أضيف، أو كيف أقارن بين حالنا طوال الأربعة عقود الماضية وبين ما قرأته ولخصته لكم من كتاب التلمود - وهو عرض للتلمود وتعاليم الحاخامات: آ- كوهين – ترجمة جاك مارتي – دار الخيال 2005 من ص. 239 إلى246 -.

وقيل أن الرئيس الحبيب بورقيبة سأل القذافي لماذا يتعمد تجهيل شعبه؟. فأجابه كعادته مازجا سخريته بجدية لؤم ناعمة: "حتى لا يثوروا علىّ." فأجابه المناضل الراحل متبسما كعادته أيضا: "يثور عليك شعب متعلم، أفضل من أن يثورعليك شعب جاهل!!".

رأيت أن أهدي هذه (الحاخاميات) إلى سيادة المكلف بالتعليم في حكومة الوفاق، الذي (وفى وكفى) بإصدارا قرار بإيفاد 31 طالبا -مرة وحده- من المنطقة الشرقية للدراسة في الخارج.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات