ابتسمْ .. أنتَ في طرابلس!

جمعة بوكليب |
جمعة بوكليب

ابتسمْ
أنتَ، الآن، أخيراً، في مدينتك طرابلس بعد غياب قسري قارب خمسة أعوام، تقف على ناصية رصيف متسخ، في منتصف مسافة زمنية بين كارثتين: واحدة انتهت نهايةً دموية وأخرى بدأت بدايةً دموية ومازالت عطشى للدم، محاصراً بأكياس القمامة، قذارة الشوارع ووساخة الأرصفة، ربكة ازدحام الطرقات برعونة سائقي السيارات، سخونة الطقس، وحموضة روائح غريبة تفيض مما حولك، باحثا بيأس في آلاف الوجوه والسحنات الغريبة عن وجه صديق يحييك من حولك، أو من الجهة المقابلة، حيث تنتصب، بإيماءة عابرة من رأس اشتعل شيباً، أو غمزة من عين ضجرة، أو تلويحة من يد معروقة مثل يديك.

ابتسمْ... أنتَ في طرابلس

حتى وأنت تقف منتصباً بنحولة قامتك في شارع عام، شاهد عيان، مرّةً ثانيةً، على كارثة أخرى. تتلفت بعينيك في أنحاء نهار طرابلسي تجلده بسادية حرارة شمس شهر سبتمبر، تراقب الغرباء من حولك الذين تثقل بلادة خطوات أقدامهم وسحناتهم المكفهرة شوارع طرابلس وأرصفتها المتسخة يمرون بك لا مبالين نافثين مع سحائب دخان تبغ سجائرمهربة ورخيصة ومجهولة الهوية، فظاظتهم ونفاد صبرهم وضيق صدورهم من استفحال الحر والقذارة وانقطاع الكهرباء وانعدام الأمن والأمان وغلاء الأسعار والوقوف لأيام طويلة أمام أبواب المصارف متحملين بذاءات من هنا وهناك، استجداءً لمرتبات شهرية هزيلة.
أنتَ في طرابلس... فابتسمْ

العن في قرارة نفسك زمناً تحولت فيه أحب مدينة إلى قلبك (طرابلس) إلى مكبّ قمامة، مشى أناسها في شوارعها كسكارى، وخلت دروبها وأزقتها من تفتق غنج وروائح الأنوثة

والعن في قرارة نفسك زمناً تحولت فيه أحب مدينة إلى قلبك إلى مكبّ قمامة، مشى أناسها في شوارعها كسكارى، وخلت دروبها وأزقتها من تفتق غنج وروائح الأنوثة، واختطفْ بهجتها وأنسها شراذمُ، بوجوه ممسوخة الملامح دخلوها عنوة ذات ليل دامس العتمة صارخين زاعقين ناهبين شاهرين في سبطانات بنادقهم طمعهم وجوعهم وعطشهم للمال وللجنس يبثون رعباً في البشر والحيوان والطير والرمل والشجر والنخل والبحر يجوبون الشوارع موزعين صكوك (غفران) رديئة ومهترئة على من والاهم ومتوعدين من خالفهم بالويل والثبور والحرق والصلب في هذه الدنيا وبعذاب لا قبل لهم به في الآخرة..

ابتسم ْ
حين تمر بك سيارات فارهة في تناقض صارخ مع ما حولك من بؤس وقذارة يقودها صبيان من وراء زجاج معتم تلعلع بموسيقى وأغان بلا طعم أو رائحة، أو حين تتلفت بغتة في وقفتك في استجابة عفوية ومفاجئة لصوت مُسنّ يائس يسألك في خجل "حاجة لوجه الله"، أو حين تمر بمقهى فتتذكر ضحكات أصدقاء كانوا كورد الحدائق ينشرون بهجةً وأملاً وحبوراً ثم ابتلعتهم المقابر والمنافي والمدن الغريبة، أو حين "يضيق خلقك" مما آلت إليه طرابلس من سوء حال فتهرب لاجئا إلى شاطئها مستجيراً ببحر عرفته دافق الزرقة والمودة أودعته طفولتك ومراهقتك وطراوة شبابك فتجده خاوياً كابياً مكلوم القلب والخاطر.

ابتسمْ
أنتَ، الآن، وحيدٌ ، في طرابلس، تسير على قدمين واهنتين متخفياً في فداحة صمتك، عيناك نافذتان مفتوحتان على ما ترسب في قاع ذاكرتك من ذكريات، وقلبك مسكون بـحيرة العائد من منفاه إلى منفاه، تتمنى أن تمتد نحوك فجأة يد صديقة وتقول لك أهلاً وتدعوك ببهجة لاحتساء فنجان قهوة منكّه بالهيل والذكريات والضحكات، أو تنبثق أمامك، فجأة، امرأةٌ، من لحم ودم وأنوثة وتناديك باسمك في مدينة لم يعد يعرفك فيها أحد.

ابتسمْ.. أنتَ، الآن، في طرابلس:
غريبٌ في مدينة أضحتْ غريبة. يخنقها الخوفُ ويتوعدها الموتُ. منهكةٌ بالبؤس والقذارة، منتهكةٌ بالسلب والنهب والخطف واللصوص والميليشيات من كل الألوان والأعلام والجهات. محجوبة عن مروج اللهو والغناء. نهارها يخنقه التوتر، وليلها معتمٌ مسيجٌ بالرعبِ والعناء.

ابتسمْ... إن استطعت في وجه الكارثة:
لأن البكاءَ يزيد الكلابَ اهتياجا وشراسة وجسارة، هذا أولاً.
وثانياً، لأن "اللي ما هَزّه ريح البارح كيف يهزّه ريح اليوم؟"
وثالثاً ورابعاً وعاشراً... إلخ إلخ، لأن هذا النهار، وإن طال، لابد وأن ينقضي أخيراً ويمضي في حال سبيله تاركاً مكانه لقدوم وحلول نهار آخر مختلف، وقد يكون واعداً وأفضل ولو قليلاً من سابقه، وربما أيضاً يأتي حاملاً في تجاويف ثناياه ما قد يشتهي قلبك وقلب مدينتك طرابلس من سابق الأنس.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات